سورة الفاتحة تفسير مجالس النور الآية 1

بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِیمِ ﴿١﴾

تفسير مجالس النور سورة الفاتحة


المجلس الأول: المنظومة القيميَّة



ذكر العلماء خصائص كثيرةً لهذه السورة المباركة مبسوطة في مظانِّها من علوم القرآن والتفسير، بَيْدَ أن ميزتها الكبرى والأظهر إنما هي وجوب قراءتها في كل ركعة، يقول ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ»، وهذا يستلزم وجوب حفظها على كل مصلٍّ، وتكرارها في اليوم الواحد سبع عشرة مرة، عدا قراءتها في النوافل والأذكار الراتبة ونحوها، وإذا قام المسلمون بهذه الواجبات الجليلة فإن قاعدة إيمانية وقيمية صلبة سيلتقون عليها تتجاوز الحدود السياسية والعِرقية والطبقية.
إن هذا الدور الكبير الذي خصّ الله به سورة الفاتحة لا بد أنه مستند إلى خصوصيَّة ذاتية في هذه السورة، ومعانٍ نفيسة لا توجد في غيرها من سور القرآن، كما ورد في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ، أن النبي ﷺ قال - وقرأ عليه أُبَيٌّ أمَّ القرآن - فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ، وَلَا فِي الزَّبُورِ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا، إِنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُ».
وهذا ما ينبغي البحث فيه، والتأنِّي في تدبُّره، واستجلاء أسراره.
إن مفتاح الجواب يكمُنُ في وصفه ﷺ لهذه السورة بأنها ﴿أمُّ القرآن﴾، أخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة ، أن رسول الله ﷺ قال: «أُمُّ الْقُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ»، ولا شك أن أُمَّ الشيء أصله، فالفاتحة هي أصل القرآن، وقد استنبط ابن عاشور معاني نفيسة لتأكيد هذا المعنى، فأرجع كل مواضيع القرآن إلى معانٍ موجودة في سورة الفاتحة؛ من التوحيد، والعبادة، والشريعة، والأخلاق، ونحوها، وهو ما يُمكن أن نُجمِله فيما باتَ يُعرف اليوم بـ ﴿المنظومة القِيميَّة﴾:
القيمة: هي المعيار الذي نزِنُ به الأفكار والسلوكيات الفردية والجماعية، والمنظومة تعني: تلك القيم المترابطة والتي تشكل بمجموعها معيارًا كليًّا تستند إليه الأمة في بناء تصوراتها وأحكامها الكليَّة، ومنطلقاتها الثقافيَّة والأخلاقيَّة.
إن المنظومة القيميَّة تعني: هُويَّة الأمة، وإنما تتمايز الأمم والمجتمعات البشريَّة على وِفْق تمايزها في منظوماتها القيميَّة، وأما الحاجات الحياتيَّة للإنسان، وكذا الرغبة في تحصيل العلوم وأسباب الغنى والقوَّة، ووسائل الرَّفاه والرَّغادة والحضارة، فهذه كلها مشتركات إنسانيَّة لا تُميِّز أمَّةً عن أمَّةٍ، ولا مجتمعًا عن مجتمعٍ إلا كما يتميَّز الغنيُّ عن الفقير، والصحيح عن السقيم.
إن صناعة الهويَّة يعني: صناعة الأمَّة، بهذا المستوى وتحت هذا العنوان ينبغي أن ننظر إلى خصوصيَّة ﴿الفاتحة﴾.
إن القِيَم الكبرى التي جاءت بها سورة الفاتحة من شأنها أن تؤسس لأمة جديدة بهويَّة جديدة؛ من أجل ذلك كانت الفاتحة هي السورة الوحيدة التي يجب على كلِّ فردٍّ في هذه الأمَّة أن يحفظها ويكررها، أما هذه القيم فيمكن تلخيصها في الآتي:

1 البسملة:
البسملة كلمةٌ منحوتة تعني قول: ﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِیمِ﴾ وقد أشبعت هذه المقولة بحثًا من حيث دلالاتها العقديَّة والفقهيَّة واللغويَّة، بَيْدَ أن الذي يعنينا هنا كونها قيمة أساسًا في منظومة القيم التي عنِيَت بصياغة هويَّة الأمَّة، فالأمَّة الإسلاميَّة تستفتح كل أنشطتها الهامَّة العامَّة والخاصَّة بهذه المقولة، إنها لا تستفتح باسم السلطان الحاكم، ولا باسم الشعب المحكوم، ولا باسم الحزب أو القوميَّة أو العشيرة، إن البسملة هنا هي كلمة السر في علاقة الإنسان بالغيب، وعلاقته بهذا الكون، وعلاقته بأخيه الإنسان الذي يشاركه في عقيدته وهويته.

2 الرحمة:
ومعناها: إرادة الخير للآخر، وليست الرقَّة سوى وصف مُقترن بهذه الإرادة بحقِّ البشر لكنها ليست لازمة، ولا واردة بحقِّ الله، وتكرار المسلم لكلمة الرحمة أربع مراتٍ في كلِّ ركعة من شأنه أن يجعل قلبه وضميره يتشرَّب هذه الصفة، فهي وإن جاءت في مقام الصفة الإلهيَّة، إلا أن انعكاسها في نفس التالي حاصل بالضرورة، وتكرار الرحمة بهذين الاسمَين العظيمَين ﴿ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِیمِ ﴾ دون ذِكرٍ لأسماء الله المقابلة مثل: ﴿القهَّار﴾، و﴿شديد العقاب﴾ في سورة الفاتحة يُوحِي بتغليب صفة الرحمة، وأنها هي الأصل، وأن ما يُقابلها استثناء تقتضيه حالات استثنائية؛ ولذلك ورد في الحديث القدسي: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي».
إنَّ غرس هذه القيمة في وجدان الأمة المسلمة يجعل هذه الأمة صاحبة رسالة إنسانيَّة وكونيَّة، وأن استعمالها للقوة ليس إلا استثناء كذلك بحسب طبيعة التحدِّي وقسوة المعتدي، كما أن نزولها إلى المستويات المعتادة للأمم والشعوب الأخرى في حلِّ مشاكلها وحسم صراعاتها إنما هو تَخَلٍّ عن هذه الرسالة.
إن قيمة الرحمة هي القيمة المحوريَّة للرسالة الإسلاميَّة ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء: 107]، فهذا الاستثناء بعد النفي يفيد الحصر، وهو بمثابة قولك: ما الإسلام إلا رحمةٌ، وعليه فإن الخيط الناظم لمفردات الرسالة وأحكامها التفصيليَّة إنما هو الرحمة، وهذا ما ينبغي ملاحظته لكل مُجتهدٍ ومُستنبطٍ ومُتدبِّرٍ.

3 التوحيد:
وهو القيمة الإيمانيَّة الكبرى، فهو أصلُ الإيمان، وبابُ الإسلام، وهو دعوة الأنبياء جميعًا، وهو اليوم مَيْزةٌ لهذه الأمَّة بعد أن دخل الشرك في المِلَل الأخرى، وأسهَمَ التحريفُ المُتعمَّد للكتب السماويَّة السابقة في ضياع التوحيد واختلاطه بكثيرٍ من المعتقدات الوثنية.
لقد جاء التوحيد في سورة الفاتحة بأكثر من صيغة؛ فالبسملة هي توحيدٌ مَحضٌ، وكذا الإقرار بربوبية الله المطلقة ﴿رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾ ثم في العهد العملي ﴿إِیَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِیَّاكَ نَسۡتَعِینُ﴾ ولا يَخفَى هنا ما يَعنِيه تقديم المفعول على الفاعل وفعله من إعلان الاختصاص والتفرُّد، وقد تضمَّنَت الفاتحة أيضًا الإقرار بأسمائه وصفاته تعالى: ﴿ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِیمِ﴾، ﴿مَـٰلِكِ یَوۡمِ ٱلدِّینِ﴾.

4 الإيمان باليوم الآخر:
وهي القيمة الإيمانيَّة الأخرى المتعلقة بتكوين الدافعيَّة الذاتيَّة للعمل الصالح، فالإيمان باليوم الآخر ليس إيمانًا فلسفيًّا بوجود الحياة الأخرى، وإنما هو عقيدة جزائية، فما يفعله الناس هنا يلقونه هناك خيرًا بخيرٍ، وشرًّا بشرٍّ، ومن هنا جاءت تسميته هنا باسم: ﴿یَوۡمِ ٱلدِّینِ﴾ أي: يوم الحساب، وكل ما ورد في القرآن من وصف البعث والحشر، والجنَّة والنار، إنما هو تفسير وتفصيل لما ورد هنا في أمِّ الكتاب.

5 الهداية:
ومعناها: العلم النافع المؤدِّي إلى العمل الصالح، وهذا التخصيص مقصود لربط المعرفة بالسلوك، فقوله تعالى: ﴿ٱهۡدِنَا﴾ فيه إضافة دقيقة وجليلة على ما لو قال: ﴿علِّمنا﴾، ويدرك أهميَّة هذه الإضافة من نَظَرَ إلى حال العالَم اليوم وشقائه بسبب صنوفٍ من العلم استُعمِلَت في صناعة الأسلحة التدميرية الشاملة؛ كالأسلحة النووية، والبيولوجية، والكيمياوية، وكذلك استخدام الخبرات السياسيَّة والإدارية المتراكمة في استعمار الشعوب وقهرها وتفكيكها، حتى اقترنت السياسة بالكذب، واقترن الاقتصاد بالظلم، واقترن الذكاء بالشيطنة، فعاد العلم سببًا في شقاء البشريَّة كما كان سببًا في سعادتها، بينما مقصود الهداية تهذيب العلم وتوجيهه لتحقيق السعادة العامة.

6 العدل:
وهو المقصود بـ: ﴿ٱلصِّرَ ٰ⁠طَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ﴾ وهو العدل الشامل في كل علاقات الإنسان، بينه وبين خالقه، وبينه وبين أخيه الإنسان، وبينه وبين كل الكائنات في هذا الكون الرحيب، وكل أحكام العلاقات التي وردت في القرآن الكريم إنما هي تفسير وتفصيل للصراط المستقيم.

7 المساواة:
وهي غير العدل، فالعدل هو الحق، والناس مُتفاوتون في استحقاقاتهم؛ ولذلك نفى القرآن المساواة في كل ما يتفاوت فيه الناس علمًا وعملًا، فقال: ﴿هَلۡ یَسۡتَوِی ٱلَّذِینَ یَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِینَ لَا یَعۡلَمُونَۗ﴾ [الزمر: 9]، وقال: ﴿لَّا یَسۡتَوِی ٱلۡقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ غَیۡرُ أُوْلِی ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَـٰهِدُونَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 95]، بيد أن المساواة الواجبة إنما تكون في الحق الإنساني العام، فلا يتعالَى أصلٌ على أصل، ولا لونٌ على لون، وهذا هو المُستنبَط من قوله تعالى: ﴿رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾ والذي فصّله القرآن في مثل قوله: ﴿یَــٰۤـأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَـٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَـٰكُمۡ شُعُوباً وَقَبَاۤىِٕلَ لِتَعَارَفُوۤاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ﴾ [الحجرات: 13]، فالناس كلهم واحد من حيث وحدة المصدر، ووحدة الخلق، ووحدة المصير.

8 العمل الجماعي:
فكل الأفعال الواردة في هذه السورة إنما جاءت بصيغة الجمع: ﴿نعبد، نستعين، اهدِنا﴾، وهي إشارة لطيفة للتعاون على الخير، حتى في الدعاء والعبادة، ومن ثَمَّ تأكَّدَت صلاة الجماعة، ووحدة الصيام والفطر، ووحدة المناسك في الحج، والتواصل بين الفقراء والأغنياء في الزكاة، ثم تأكَّدَت هذه المعاني في الآداب الإسلامية التواصلية مع الجار، والصديق، والرحِم، وهكذا.

9 الولاء لأهل الحق:
وهم أهل الصراط المستقيم، الذين أنعَمَ الله عليهم بالهداية، فالإسلام لم يَأتِ لبناء علاقة ثنائيَّة بين العبد وخالقه فحسب، بل لبناء العلاقة بين العباد أنفسهم؛ فالمؤمنُ السائرُ على الصراط المستقيم عليه أن يتذكَّر أنه لا يسير لوحده، بل معه إخوان وأخوات عن يمينه وشماله، ومن أمامه ومن خلفه، وقد جاء تفصيل هذا المعنى الجميل في قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِینَ جَاۤءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ یَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَ ٰ⁠نِنَا ٱلَّذِینَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِیمَـٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِی قُلُوبِنَا غِلࣰّا لِّلَّذِینَ ءَامَنُواْ رَبَّنَاۤ إِنَّكَ رَءُوفࣱ رَّحِیمٌ﴾ [الحشر: 10].
ومن الخطأ الفادح أن يظنَّ ظانٌّ أن هذا الولاء هو انعزال عن البشريَّة، فضلًا عن إعلان الحرب عليها، كيف والله يقول: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء: 107]، والآية الأولى في هذه السورة بعد البسملة هي قوله تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾ وإنما الربُّ هو المالك المُدبِّر المُربِّي، فهل رأيتم مالكًا يُريدُ بمُلكِه الخراب؟! وهل رأيتم ربًّا يُريدُ بمربوبِيْهِ الشَّرَّ؟! كيف، والله بعث موسى إلى فرعون على جبروته وطغيانه فقال: ﴿لَّعَلَّهُۥ یَتَذَكَّرُ أَوۡ یَخۡشَىٰ﴾ [طه: 44].
إن الولاء لأهل الحقِّ معناه تعزيز مقوِّمات الخير في البشريَّة، وهذا ما نصَّ عليه القرآن بقوله: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةࣱ یَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَیۡرِ وَیَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَیَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَــٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]، فأمَّةُ الحقِّ تتعاون وتتناصر فيما بينها، وتتمايز عن الباطل؛ لتكون أقدَرَ على هداية الآخرين وتقديم الخير لهم، وليس للانتقام منهم، أو سحق وجودهم وحقوقهم.

10 التمايز عن أهل الباطل:
وهم الذين تنكَّبُوا الصراط المستقيم، إما عن هوًى، وعنادٍ، وحسدٍ، ومكابرةٍ، وهم: ﴿ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَیۡهِمۡ﴾ وإما لالتِباسِ الأمور عليهم بسبب حملات التشويش، والتضليل، والتقليد الأعمى، وعدم الرغبة في التعلُّم، وهم: ﴿الضالُّون﴾، وكلاهما يسير بعكس طريق الهداية، فالأولون امتلكوا العلم لكنَّهم كتموه وحرَّفوه لمرضٍ في قلوبهم، فاستحقوا غضبَ الله، والآخرون جهِلُوا الحقَّ وكسلوا عن البحث فيه، ورضوا بما هم عليه.
ولئن كان المُفسِّرون قد قصَروا الصنف الأوَّل على اليهود، وقصَروا الصنف الثاني على النصارى؛ فإن ذكر الوصف في هذه السورة دون ذكر الموصوفين يوحي بإمكانيَّة القياس، فكلُّ عالمٍ يتعمَّدُ مخالفة الحقِّ بلا عذرٍ، فهو مغضوبٌ عليه عند الله، وإن كان لليهود من ذلك النصيب الأوفر، وكلُّ جاهلٍ مُقيمٍ على جهله، ولا يُكلِّفُ نفسَه عناءَ البحث غرُورًا بما عنده، أو تقليدًا لكُبرائه، أو تكبُّرًا على الآخرين، فهو ضالٌّ، وإن كان للنصارى من ذلك النصيب الأكبر، والله أعلم.
وهذان الصنفان يقفان حائلًا دون وصول الخير لعامَّة الناس، ومن هنا وجب التمايُزُ عنهم؛ ليكون الناس على بيِّنة، ولا يعني هذا التمايُزُ حِرمانَهم من حقِّ النصح والتواصل الإيجابي، كيف والقرآن نصَّ على هذا بقوله: ﴿وَلَا تُجَـٰدِلُوۤاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَـٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ﴾ [العنكبوت: 46]، وهل أهل الكتاب إلا اليهود والنصارى؟!
بقِيَ أن نتنبَّه إلى حقيقةٍ كبيرةٍ، وهي: خُلوُّ سورة الفاتحة من الإشارة إلى الشهادة الثانية، والركن الأهم بعد التوحيد: ﴿الإيمانُ بمحمدٍ رسول الله﴾، وحينما تكون الفاتحة هي أمُّ القرآن، والمتكفّلة بصناعة هويَّة الأمَّة وقاعدتها الصلبة، فإننا أمام تساؤُلٍ يحتاج إلى نظرٍ وتدبُّرٍ عميقٍ.
والأقربُ في هذا: أنَّ الإشارة قد ورَدَت في القِيمَة السابعة، وهي الولاءُ لأهل الحقِّ؛ فقولُ المسلم في كلّ ركعةٍ: ﴿صِرَ ٰ⁠طَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِمۡ﴾ يُذكِّرُه بإمام هذا الجمع المبارك، والسبب الأساس في هدايته، وحصول النعمة له، وهو الرسولُ الأكرم ﷺ.
وقد اكتَفَت الفاتحة بهذه الإشارة؛ تأكيدًا لبراءة القرآن عن كلِّ نزعة بشريَّة، فلو صحَّت شبهة المكابرين بنسبة هذا القرآن لمحمدٍ، فلماذا يتعمَّدُ مُحمدٌ أن يحذِفَ اسمَه من أمِّ القرآن، وهي التي يقرؤها كلّ المسلمين صباح مساء؟! ولماذا يحرم نفسه من هذا الذكر وهذا المجد الذي ما بعده مجد؟!
لقد استبانَ في هذه القيم العشر أن مهمَّة الفاتحة إنما هي صياغة الخطوط العريضة، والمعالم الرئيسة لهويَّة الأمَّة وخصوصيَّتها، وطبيعة الرسالة التي تحملها لهذا العالم.


﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ﴾ معمولة لفعل محذوف تقديره هنا ﴿أقرأ﴾، وهذا هو المتَّسق مع قوله تعالى: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِی خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، وقد جرى حذفُ الفعل في البسمَلَة لسبَبَين:

الأول: تخفيفًا لكثرة التكرار، ولأنه معلومٌ بقرينةِ الحال.

والثاني: أنَّ البسملة تُستعمل لغير القرآن في أحوالٍ كثيرة، ولكلِّ حالٍ فعله اللائق به، فأنت تأكل بسم الله، وتشرب بسم الله، وهكذا، ومن ثَمَّ اقتُضِيَ حذف الفعل؛ ليصحَّ تقديره لكلِّ حال بما يناسبه، والله أعلم.

﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ﴾ تقرير حقيقة أن الله يستحق الثناء والتمجيد دائمًا وأبدًا بحكم ربوبيته، بغض النظر عن حال الذاكر الذي قد يكون في نعمةٍ، وقد يكون في مصيبةٍ، وذلك بخلاف الشكر الذي لا يكون إلا في حال النعمة.

وقد جاء تقرير الحقيقة هنا بصيغة الجملة الاسمية، بينما ورد في خطبه ﷺ تقريرها بصيغة الفعل، والظاهر أن حمد العباد لربِّهم يتخذ طابع التكرار والتجدد، فكان الفعل به أليَق، بينما حمدُ الله لنفسه يتخذ طابع الثبوت واللزوم، فكان الاسم به أليَق.

هذا وقد يُراد بالاسم طلب الفعل، كما يراد بالخبر الأمر، فالفصل بينهما ليس فصلًا تامًّا، وإنما لحصول معانٍ دقيقةٍ ورقيقةٍ، وفيه أن الحمد لله ذِكرٌ مناسبٌ لخواتيم الأعمال، كما أن البسملة ذِكرٌ يناسب فواتحها، فالمسلم يذكر الله في بداية عمله، ويذكره في خاتمته، والله أعلم.

﴿ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِیمِ (٣) مَـٰلِكِ یَوۡمِ ٱلدِّینِ﴾ تقديم صفة الرحمة على يوم الجزاء مُشعِرٌ بالأُنس، وذلك على خلاف عادة البشر في قرنهم الوعيد والتهديد بالحساب، ومصداق هذه الالتفاتة حديث: «إِنَّ للهِ مِائَةُ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ وَالبَهَائِمِ وَالهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللهُ تِسْعًا وَتِسْعِيْنَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ».

﴿إِیَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِیَّاكَ نَسۡتَعِینُ﴾ قدَّم العبادة على الاستعانة، وهذا من حُسن التديُّنِ والتعبُّدِ، وحُسن الأدبِ مع الخالق، فالعبد الصالح يُقدِّم الطاعةَ أولًا ثم يسأل حاجَتَه.

وهنا إشارة بمظنَّة استجابة الدعاء إذا جاء بعد تقديم الطاعة.

﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَ ٰ⁠طَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ﴾ أول طلب المؤمن إنما هو ﴿الهداية﴾ حتى لو كان محتاجًا إلى غيرها؛ كالصحَّة، والمال، والمأوى، وذلك من حُسن الفقه، وحسن التعبُّد أيضًا.

وفيه التبرِّي من حول العبد وقوَّته إلى حول الله وقوَّته، فالهداية لا يدركها بعلمه وذكائه المجرَّد إن لم يكن عنده من الاستعداد الإيماني والروحي ما يُؤهِّله لهذا اللطف.

﴿صِرَ ٰ⁠طَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِمۡ﴾ فيه حُسنُ الأدب مع المؤمنين، والسابقين منهم خاصَّة، فأنت تدعُو اللهَ أن يُلحِقَك بهم ويعُمَّك بفضله معهم، وهذا تأديبٌ قرآنيٌّ لطيف يُبعِدُ العبدَ عن شوائبِ الغرور والتعالي على الآخرين، وفي العبارة إشارةٌ أخرى، فحذف النعمة ونوعها والاكتفاء بقوله عزَّ من قائِلٍ: ﴿أَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِمۡ﴾ يُوحِي بأن النعمة الحقَّ إنما هي الهداية، حتى لو كان معها الفقر والنقص من حظوظ الدنيا، فعاقبة ذلك كلّه إلى خيرٍ ونعمةٍ، كما ورد في الحديث الصحيح: «عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».

وأما المغضوب عليهم والضالُّون فهم ليسوا على نعمةٍ مهما أوتوا من نعيم الدنيا ولذائذها، فإنما العِبرةُ بعواقِبِها ﴿ثُمَّ لَتُسۡـَٔلُنَّ یَوۡمَىِٕذٍ عَنِ ٱلنَّعِیمِ﴾ [التكاثر: 8].