سورة الشعراء تفسير مجالس النور الآية 60

فَأَتۡبَعُوهُم مُّشۡرِقِینَ ﴿٦٠﴾

تفسير مجالس النور سورة الشعراء

المجلس الحادي والستون بعد المائة: موسى وهارون


من الآية (10- 68)


في هذه الآيات عرضٌ لسيرة النبيَّين الأخوَين الكريمَين موسى وهارون عليهما السلام وما واجهاه في حياتهما الدعوية مِن سطوة فرعون ومكره وسحره، وكيف أنجاهما الله وقومَهما بعد هلاك فرعون وجُنده، ويمكن تلخيص هذه السيرة في النقاط الآتية:
أولًا: أمر الله موسى عليه السلام بالتوجُّه إلى فرعون وقومه ليدعوهم إلى تقوى الله والخروج مِن حالة الكفر والطغيان التي يعيشونها، ولكنَّ موسى بطبعه البشري شَعَر بالخوف مِن فرعون؛ لما يعلمه عنه مِن صلَفٍ وجبروت، فخشِيَ أن يضيق صدره ويتلعثم لسانه، فلا ينجح في مهمته، خاصَّةً أنَّه كان قد قتَلَ رجُلًا مِن قوم فرعون بعد أن استغاثه الذي مِن شيعته، فهرب منهم خائِفًا يترقَّب، فكيف يرجع إليهم اليوم ناصحًا ومُذكِّرًا ومُحذِّرًا؟
لكلِّ ذلك وقف موسى أمام ربه العليم الحكيم، يعرِض ضعفَه وخوالج نفسه، ويطلب من الله المَدَد، وأن يُرسل معه أخاه هارون عليهما السلام، فاستجابَ الله سُؤلَه، وطمأَنَه بالمعيَّة الربانيَّة والعناية الإلهيَّة ﴿وَإِذۡ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰۤ أَنِ ٱئۡتِ ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ﴿١٠﴾ قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَۚ أَلَا یَتَّقُونَ ﴿١١﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّیۤ أَخَافُ أَن یُكَذِّبُونِ ﴿١٢﴾ وَیَضِیقُ صَدۡرِی وَلَا یَنطَلِقُ لِسَانِی فَأَرۡسِلۡ إِلَىٰ هَـٰرُونَ ﴿١٣﴾ وَلَهُمۡ عَلَیَّ ذَنۢبࣱ فَأَخَافُ أَن یَقۡتُلُونِ ﴿١٤﴾ قَالَ كَلَّاۖ فَٱذۡهَبَا بِـَٔایَـٰتِنَاۤۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسۡتَمِعُونَ﴾ وأمرهما أن يطلُبَا مِن فرعون السماحَ لبني إسرائيل بالخروج معهما بعد أن سامَهم سوء العذاب ﴿فَأۡتِیَا فِرۡعَوۡنَ فَقُولَاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ ﴿١٦﴾ أَنۡ أَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ﴾.
ثانيًا: ردَّ فرعون على موسى بعد أن بلَّغَه رسالةَ ربه مُمتنًّا عليه برعايته له في طفولته، ومذكِّرًا له بقتله للرجل الفرعوني ﴿قَالَ أَلَمۡ نُرَبِّكَ فِینَا وَلِیدࣰا وَلَبِثۡتَ فِینَا مِنۡ عُمُرِكَ سِنِینَ ﴿١٨﴾ وَفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ ٱلَّتِی فَعَلۡتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلۡكَـٰفِرِینَ﴾.
ثالثًا: اعترف موسى بفعلته واعتذر عنها بأنَّها كانت قبل أن يَصطَفِيه الله بحكمته ورسالته: ﴿قَالَ فَعَلۡتُهَاۤ إِذࣰا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّاۤلِّینَ ﴿٢٠﴾ فَفَرَرۡتُ مِنكُمۡ لَمَّا خِفۡتُكُمۡ فَوَهَبَ لِی رَبِّی حُكۡمࣰا وَجَعَلَنِی مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ﴾ ثم ردَّ على مِنَّة فرعون بأنَّها لا تُسوِّغ الظلمَ الذي أوقَعَه فرعونُ على بني إسرائيل حتى جعَلَهم عبيدًا له ﴿وَتِلۡكَ نِعۡمَةࣱ تَمُنُّهَا عَلَیَّ أَنۡ عَبَّدتَّ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ﴾.
رابعًا: انتقل فرعونُ بالحوار إلى الموضوع الأخطر والأهم: ﴿قَالَ فِرۡعَوۡنُ وَمَا رَبُّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾، فأجابه موسى عليه السلام: ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَیۡنَهُمَاۤۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِینَ﴾، فالتفت فرعون إلى حاشيته مُستنكرًا ومتهكِّمًا بموسى: ﴿قَالَ لِمَنۡ حَوۡلَهُۥۤ أَلَا تَسۡتَمِعُونَ﴾، فأكَّد موسى جوابَه الأول بثقةٍ ورباطة جَأشٍ، وبما يصدم عقيدة فرعون ودعواه الكاذبة الباطلة: ﴿قَالَ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَاۤىِٕكُمُ ٱلۡأَوَّلِینَ﴾.
هنا حاول فرعون حرفَ مجرى الحوار بشَتمه لموسى ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِیۤ أُرۡسِلَ إِلَیۡكُمۡ لَمَجۡنُونࣱ﴾، لكن موسى لم يستَجِب لهذا الاستفزاز، وحافَظَ على الحوار في طريقه الصحيح، كأنَّه لم يسمع تلك الشَّتِيمة: ﴿قَالَ رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَمَا بَیۡنَهُمَاۤۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾.
هنا لجأ فرعون إلى التهديد ليحسم الأمر بقوة السلطة لا بقوة الحجَّة، كعادة الفراعنة في كلِّ زمانٍ ومكان