سورة القصص تفسير مجالس النور الآية 1

طسۤمۤ ﴿١﴾

تفسير مجالس النور سورة القصص

المجلس الحادي والسبعون بعد المائة: موسى عليه السلام الهدف الكبير والعناية الإلهية المبكرة


من الآية (1- 13)


المحور الأساس لسورة القصص هو قصَّة موسى عليه السلام، وهي القصة الوحيدة التي تناولتها هذه السورة، ثم تنتقل السورة - وفي سياقٍ متصلٍ - إلى واقع الدعوة في مكة؛ لتؤكِّد الوشائج القويَّة بين الدعوتين المحمَّديَّة والموسويَّة، والتي مرَّت معنا في تدبُّر فواتح سورة النمل.
تتناول هذه الآيات المشهدَ الأوَّل من حياة موسى عليه السلام، وعناية الله تعالى به، من أيامه الأولى بما يتناسب مع الهدف الكبير الذي اختاره الله تعالى له، وكما يأتي:
أولًا: أكَّد القرآن أن هذه القصَّة من الوحي الإلهي الموجَّه إلى الرسول الخاتم ﷺ، في تأكيدٍ متكررٍ للربط بين الدعوتين المباركتين: ﴿تِلۡكَ ءَایَـٰتُ ٱلۡكِتَـٰبِ ٱلۡمُبِینِ ﴿٢﴾ نَتۡلُواْ عَلَیۡكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرۡعَوۡنَ بِٱلۡحَقِّ لِقَوۡمࣲ یُؤۡمِنُونَ﴾.
ثانيًا: وصف القرآن واقع السياسة الفرعونيَّة، وأنها قائمة على التفرقة والتمييز العنصري أو الطائفي، وأن طائفةً واحدةً - وهم بنو إسرائيل - كانت تتحمَّل العبءَ الأكبرَ مِن ظلمه بذبح أبنائهم، واستحياء نسائهم ﴿إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِی ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِیَعࣰا یَسۡتَضۡعِفُ طَاۤىِٕفَةࣰ مِّنۡهُمۡ یُذَبِّحُ أَبۡنَاۤءَهُمۡ وَیَسۡتَحۡیِۦ نِسَاۤءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِینَ﴾.
ثالثًا: حدَّد القرآن الهدفَ الكبير الذي اختاره الله لينقذ هؤلاء المظلومين من نَيرِ الظُّلم والعبوديَّة والاستضعاف إلى أُفُقِ الحريَّة والسيادة والتمكين ﴿إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِی ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِیَعࣰا یَسۡتَضۡعِفُ طَاۤىِٕفَةࣰ مِّنۡهُمۡ یُذَبِّحُ أَبۡنَاۤءَهُمۡ وَیَسۡتَحۡیِۦ نِسَاۤءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِینَ ﴿٥﴾ وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِیَ فِرۡعَوۡنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ یَحۡذَرُونَ﴾.
رابعًا: بدأت مظاهر العناية الإلهيَّة بهذا المولود الكريم بذلك الوحي الذي حمَلَ إلى أُمِّهِ أمرَين، ونهيَين، وبشارتَين: ﴿وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰۤ أُمِّ مُوسَىٰۤ أَنۡ أَرۡضِعِیهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَیۡهِ فَأَلۡقِیهِ فِی ٱلۡیَمِّ وَلَا تَخَافِی وَلَا تَحۡزَنِیۤۖ إِنَّا رَاۤدُّوهُ إِلَیۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ﴾ في إشارةٍ واضحةٍ أن هذا المولود الكريم قد أعدَّه الله لذلك الهدف الكبير.
خامسًا: نفَّذت أُمُّه عليها السلام ما أمَرَها الله به، فألقَتْه في البحر بالطريقة التي تحفَظه مِن سطوة رجال فرعون، والذين كانوا يبحثون عن أبناء هذه الطائفة المُستضعَفة الذين وُلِدوا حديثًا ليذبحوهم، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا؛ حيث وصل الرضيعُ المباركُ إلى قصر فرعون، ليحظى برعايتهم على عكس ما خطَّطوا له ﴿وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰۤ أُمِّ مُوسَىٰۤ أَنۡ أَرۡضِعِیهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَیۡهِ فَأَلۡقِیهِ فِی ٱلۡیَمِّ وَلَا تَخَافِی وَلَا تَحۡزَنِیۤۖ إِنَّا رَاۤدُّوهُ إِلَیۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ ﴿٨﴾ وَقَالَتِ ٱمۡرَأَتُ فِرۡعَوۡنَ قُرَّتُ عَیۡنࣲ لِّی وَلَكَۖ لَا تَقۡتُلُوهُ عَسَىٰۤ أَن یَنفَعَنَاۤ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدࣰا وَهُمۡ لَا یَشۡعُرُونَ﴾.
سادسًا:كانت أمُّه تشعر ببرد الطمأنينة التي ربَطَها الله على قلبها، رغم رقَّة قلبها، ووهج عاطفتها وهي ترى رضيعها تتجِهُ به أمواجُ النهر إلى يدِ عدوه.
وهنا يدخل عنصرٌ آخر في المشهد: أخت موسى التي ربما لا تقلُّ عاطفتها عن عاطفة أُمِّها، مع حزنٍ أعمق وقلقٍ أشدَّ، بحكم أنَّها الأصغر سنًّا، والأقل خبرة، ولأنها لم يُوحَ إليها بما يُبشِّرها ويُطمئِنُها كما أُوحِيَ إلى أُمِّها، فاندفعت - وبتوجيهٍ من أُمِّها - تتتبَّعُ أخاها الرضيعَ عن بُعدٍ، حتى بَصُرَت به بين أيديهم وهم لا يشعرون بها ﴿وَأَصۡبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَـٰرِغًاۖ إِن كَادَتۡ لَتُبۡدِی بِهِۦ لَوۡلَاۤ أَن رَّبَطۡنَا عَلَىٰ قَلۡبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ﴿١٠﴾ وَقَالَتۡ لِأُخۡتِهِۦ قُصِّیهِۖ فَبَصُرَتۡ بِهِۦ عَن جُنُبࣲ وَهُمۡ لَا یَشۡعُرُونَ﴾.
سابعًا: كانت رغبة آسية امرأة فرعون باتخاذه ولدًا سببًا في حمايته ورعايته، وكان من مقتضى ذلك: البحث له عن مُرضِعة، ولكنَّ الرضيع يمتنع عن كلِّ المرضعات بقدرٍ إلهيٍّ ﴿۞ وَحَرَّمۡنَا عَلَیۡهِ ٱلۡمَرَاضِعَ مِن قَبۡلُ﴾.
وهنا تدخَّلَت أختُه لتُشير عليهم بأهل بيتٍ يَكفُلُونه لهم، والقرآن هنا لا يُفصِّل في كيفيَّة اقتِناعهم بهذا الرأي؛ لأنَّ ذلك لا يؤثِّر في النتيجة، فالمهم أنه رجع لأُمِّه، ليتحقق وعد الله تعالى لها، فكانت أُمُّه تُرضعه دون أن يعلموا أنَّها أُمُّه، ومِن ثَمَّ كانوا يُنفِقُون عليها وعلى رضيعها، وهذا من مقتضى كفالتها لموسى عنهم ﴿۞ وَحَرَّمۡنَا عَلَیۡهِ ٱلۡمَرَاضِعَ مِن قَبۡلُ فَقَالَتۡ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰۤ أَهۡلِ بَیۡتࣲ یَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ نَـٰصِحُونَ ﴿١٢﴾ فَرَدَدۡنَـٰهُ إِلَىٰۤ أُمِّهِۦ كَیۡ تَقَرَّ عَیۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَ وَلِتَعۡلَمَ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقࣱّ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ﴾.
فسبحان الله! كيف ألقَتْه في اليمِّ منذ يومٍ أو بعض يوم خائفة عليه منه، ثُمَّ أعادوه هم إليها باهتمامٍ وعنايةٍ، ومزيدِ رزقٍ.


﴿نَتۡلُواْ عَلَیۡكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرۡعَوۡنَ﴾ نقُصُّ عليك شيئًا مِن خبر موسى عليه السلام مع فرعون.
﴿لِقَوۡمࣲ یُؤۡمِنُونَ﴾ هم المسلمون، في إشارةٍ إلى حاجة هذه الأُمَّة لذلك القصص ولتلك التجربة الثريَّة بعد أن اختارها الله بديلًا عن قوم موسى عليه السلام في حمل الأمانة، وتبليغ الرسالة.
﴿إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِی ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِیَعࣰا﴾ قسَّمَهم إلى طوائف، وأنشَبَ الفُرقة بينهم، وهذه سياسةٌ مُتَّبَعة لدى طواغيت الأرض، ووسيلتهم لإشغال الناس ببعضهم.
﴿یَسۡتَضۡعِفُ طَاۤىِٕفَةࣰ مِّنۡهُمۡ﴾ هم بنو إسرائيل.
﴿وَیَسۡتَحۡیِۦ نِسَاۤءَهُمۡۚ﴾ يستبقيهنَّ للخدمة.
﴿وَنُرِیدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِینَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِی ٱلۡأَرۡضِ﴾ هم بنو إسرائيل، والمَنُّ: الإنعام، بمعنى أنَّ الله يُريد أن يُنعِم على بني إسرائيل بما سيأتي ذكره.
﴿وَنَجۡعَلَهُمۡ أَىِٕمَّةࣰ﴾ قادةً وملوكًا، وقد كان لهم ذلك أيام داود وسُليمان عليهما السلام.
﴿وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَ ٰ⁠رِثِینَ﴾ الذين يرِثُون المُلكَ بعد نجاتهم من قبضة فرعون وهلاكه.
﴿وَنُرِیَ فِرۡعَوۡنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ یَحۡذَرُونَ﴾ حيث كان الفراعنة يخشَون زوالَ مُلكهم على يدِ واحدٍ من بني إسرائيل، وأنَّ هؤلاء المستضعفين سيعلو شأنُهم، ويكونون قادةً وملوكًا، فكان كلّ ما كانوا يخشَونه ويحذَرونه.
﴿وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰۤ أُمِّ مُوسَىٰۤ أَنۡ أَرۡضِعِیهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَیۡهِ فَأَلۡقِیهِ فِی ٱلۡیَمِّ وَلَا تَخَافِی وَلَا تَحۡزَنِیۤۖ إِنَّا رَاۤدُّوهُ إِلَیۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ﴾ الظاهر أنَّ هذا وحيٌ على الحقيقة، وهذا هو الأصل، وتأويله بالإلهام أو المنام تحرُّزًا عن القول بنبوة النساء لا يخلو من التكلُّف، ولا أعلم نصًّا صريحًا في المنع يقتضي هذا التأويل، خاصَّةً عند من يُفرِّق بين معنى النبي ومعنى الرسول، فيرى التبليغ لازمًا للرسالة دون النبوة، فهذا التفريق مُتنفَّسٌ قويٌّ لمن يقول بنبوة المرأة؛ إذ لم يَرِد اختصاص الرجال إلا بالرسالة: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالࣰا﴾.
ثُمَّ إذا أمكَنَ تأويل الأمر بالإرضاع بالفِطرة، والأمر بإلقائه في اليمِّ بالغريزة، فكيف نتأوَّل النهيَين: ﴿وَلَا تَخَافِی وَلَا تَحۡزَنِیۤۖ﴾، والبشارتَين: ﴿إِنَّا رَاۤدُّوهُ إِلَیۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ﴾.
والذي يؤيِّد أنَّ هذه بِشارة وَحيٍ قوله تعالى الآتي: ﴿فَرَدَدۡنَـٰهُ إِلَىٰۤ أُمِّهِۦ كَیۡ تَقَرَّ عَیۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَ وَلِتَعۡلَمَ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقࣱّ﴾.
ثُمَّ إنَّ هذا التأويل يفتح البابَ لدُعاة الضلال والباطنيَّة للقول باستمرار مثل هذا الوحي على الأئمة مِن غير أن يكونوا أنبياء؛ وذلك لأنه لو قُلنا: إنَّ كلَّ هذا الذي تلَقَّتْه أمُّ موسى وكذلك أمُّ عيسى عليهم السلام ليس وحيًا، مع ما فيه مِن أوامر ونواهٍ، وبشاراتٍ وخطابٍ مُباشرٍ من الملائكة ﴿وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَــٰۤىِٕكَةُ یَـٰمَرۡیَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ﴾ [آل عمران: 42]، فما الذي يمنع أن ينزِل مثل هذا على الأئمة مِن بعد الرسل؟
﴿فَأَلۡقِیهِ فِی ٱلۡیَمِّ﴾ البحر، والمقصود به هنا: نهر النيل.
﴿لِیَكُونَ لَهُمۡ عَدُوࣰّا وَحَزَنًاۗ﴾ اللام هنا لام العاقبة وليست للتعليل؛ لأنَّهم إنما التقَطوه ليكون لهم ولدًا، فكان لهم عدوًّا، والحَزن والحُزن بمعنًى.
﴿وَأَصۡبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَـٰرِغًاۖ﴾أي: خاليًا من كلِّ همٍّ إلَّا مِن همِّ رضيعِها وهي تراه بين أمواج النيل أولًا، ثم بين أيدِي آل فرعون ثانيًا.
﴿إِن كَادَتۡ لَتُبۡدِی بِهِۦ﴾ من شدَّة حزنها وقلقها عليه، كأن ترفع صوتَها بالبكاء والعَويل مثلًا.
﴿لَوۡلَاۤ أَن رَّبَطۡنَا عَلَىٰ قَلۡبِهَا﴾ بالتثبيت.
﴿وَقَالَتۡ لِأُخۡتِهِۦ قُصِّیهِۖ﴾ اتَّبِعيه وتقصِّي خَبرَه.
﴿۞ وَحَرَّمۡنَا عَلَیۡهِ ٱلۡمَرَاضِعَ﴾ تحريمًا قدريًّا، بمعنى المنع وليس التحريم التكليفي، فكُلَّما تقدَّمَت إليه امرأةٌ لتُرضِعه أبَى.
﴿فَقَالَتۡ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰۤ أَهۡلِ بَیۡتࣲ یَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ﴾ يبدو أنَّهم بعد امتناعه عن الرضاعة صاروا يبحثون له عن مُرضعةٍ تُناسِبُه، فتوافد الناس تقرُّبًا لفرعون، فدخَلَت أختُه معهم وقالت كلِمتها دون أن تُثير الرِّيبة.
﴿وَهُمۡ لَهُۥ نَـٰصِحُونَ﴾ أي: معرُوفون بالأمانة والنُّصح.
﴿وَلِتَعۡلَمَ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقࣱّ﴾ والمقصود بوعد الله هنا: قوله تعالى المتقدِّم: ﴿إِنَّا رَاۤدُّوهُ إِلَیۡكِ﴾ وهو تأكيدٌ أنَّ ذلك الوعد إنَّما كان وَحيًا على الحقيقة، والله أعلم.