سورة فصلت تفسير مجالس النور الآية 1

المجلس الحادي عشر بعد المائتين: فقُل أنذرتُكم صاعقةً مثل صاعقة عاد وثمود


الآية (1- 29)


سورة فُصِّلَت جاءت لتحمِلَ بشارةً ونذارةً، هذا هو موضوعها الأساس ﴿كِتَـٰبࣱ فُصِّلَتۡ ءَایَـٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِیࣰّا لِّقَوۡمࣲ یَعۡلَمُونَ ﴿٣﴾ بَشِیرࣰا وَنَذِیرࣰا﴾ أما البِشارةُ فإنّما هي للذين قالوا: ربُّنا الله ثم استقاموا، وهي موضوعُ الشَّطر الثاني من هذه السورة، وأمّا النِّذارةُ فهي لأعداءِ الله، وهي موضوعُنا في هذا المجلس، وكما يأتي:
أولًا: أكَّد القرآن أنّه كتابٌ مُنزَّلٌ من الله الرحمن الرحيم، وأنّه كتابُ بِشارةٍ ونِذارةٍ ﴿حمۤ ﴿١﴾ تَنزِیلࣱ مِّنَ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِیمِ ﴿٢﴾ كِتَـٰبࣱ فُصِّلَتۡ ءَایَـٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِیࣰّا لِّقَوۡمࣲ یَعۡلَمُونَ ﴿٣﴾ بَشِیرࣰا وَنَذِیرࣰا﴾.
والتذكيرُ بأسماء الله تعالى الدالَّة على الرحمة في سياق البشارة والنذارة يعني: ارتباط هذه المعاني بعضها ببعض؛ فمِن رحمةِ الله تعالى بهذا الخَلق أنزَلَ هذه الرسالة المُبارَكة لتُنذِرَ الناس، وتكفَّهم عن أسباب هلاكهم، ولتُرشِدَهم إلى طريق هدايتهم وسعادتهم.
وهذا أصلٌ عظيمٌ في فهم هذه الرسالة وخصائصها وما تهدف إليه، فالإسلام لا يدعو إلى التديُّن الذي يعذِّب فيه الإنسان نفسه، ولا يدعو إلى غرس الكراهية بين البشر، بل هو الرحمة في أَوَّله ومُنتهاه، وأصله وفرعه، وعقيدته وشريعته ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء: 107].
ثانيًا: بيَّن القرآن موقفَ المشركين في مكَّة من هذه الرسالة الكريمة ﴿فَأَعۡرَضَ أَكۡثَرُهُمۡ فَهُمۡ لَا یَسۡمَعُونَ ﴿٤﴾ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِیۤ أَكِنَّةࣲ مِّمَّا تَدۡعُونَاۤ إِلَیۡهِ وَفِیۤ ءَاذَانِنَا وَقۡرࣱ وَمِنۢ بَیۡنِنَا وَبَیۡنِكَ حِجَابࣱ فَٱعۡمَلۡ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ﴾.
وهكذا يُصِرُّ هؤلاء الأشقياء الرافِضُون لنعمة الله عليهم ولرحمته بهم على أن يُعطِّلوا كلَّ أسباب المعرفة، فلا آذانهم تسمع، ولا قلوبهم تعِي، بل كانوا يتواصَون مع قرنائهم وشركائهم بهذا الصدود وهذا الإعراض ﴿۞ وَقَیَّضۡنَا لَهُمۡ قُرَنَاۤءَ فَزَیَّنُواْ لَهُم مَّا بَیۡنَ أَیۡدِیهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَحَقَّ عَلَیۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِیۤ أُمَمࣲ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَـٰسِرِینَ﴾.
ثالثًا: بيَّن القرآن طبيعةَ الرسول ﷺ، وأنّه بشرٌ مثلهم معروفٌ حسبه ونسبه بينهم، إلا أنّه تميَّز عنهم بهذا الوحي ﴿قُلۡ إِنَّمَاۤ أَنَا۠ بَشَرࣱ مِّثۡلُكُمۡ یُوحَىٰۤ إِلَیَّ﴾ وقد جاء هذا البيان في سياق تجريد التوحيد مما قد يعلَق به من تأليه البشر ورفعهم إلى مقام الألوهيَّة، كما فعل النصارى بنبيِّهم؛ ولذلك قال بعدها: ﴿أَنَّمَاۤ إِلَـٰهُكُمۡ إِلَـٰهࣱ وَ ٰ⁠حِدࣱ فَٱسۡتَقِیمُوۤاْ إِلَیۡهِ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ وَوَیۡلࣱ لِّلۡمُشۡرِكِینَ﴾.
رابعًا: نبَّه القرآن هؤلاء المشركين إلى دلائل الإيمان وبراهين التوحيد المبثوثة في هذا الكون الفسيح ﴿۞ قُلۡ أَىِٕنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِی خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِی یَوۡمَیۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥۤ أَندَادࣰاۚ ذَ ٰ⁠لِكَ رَبُّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ ﴿٩﴾ وَجَعَلَ فِیهَا رَوَ ٰ⁠سِیَ مِن فَوۡقِهَا وَبَـٰرَكَ فِیهَا وَقَدَّرَ فِیهَاۤ أَقۡوَ ٰ⁠تَهَا فِیۤ أَرۡبَعَةِ أَیَّامࣲ سَوَاۤءࣰ لِّلسَّاۤىِٕلِینَ ﴿١٠﴾ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰۤ إِلَى ٱلسَّمَاۤءِ وَهِیَ دُخَانࣱ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِیَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهࣰا قَالَتَاۤ أَتَیۡنَا طَاۤىِٕعِینَ ﴿١١﴾ فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَـٰوَاتࣲ فِی یَوۡمَیۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِی كُلِّ سَمَاۤءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَیَّنَّا ٱلسَّمَاۤءَ ٱلدُّنۡیَا بِمَصَـٰبِیحَ وَحِفۡظࣰاۚ ذَ ٰ⁠لِكَ تَقۡدِیرُ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡعَلِیمِ﴾.
خامسًا: ذكَّر القرآن هؤلاء المشركين بما أصابَ أسلافَهم من الأمم السابقة، وقد اختارَ لهم مَثَلَين من القبائل التي كانت معروفة لهم بحُكم قُرب مساكنهم، وتشابُههم في أعرافهم وتقاليدهم، وطبيعة تفكيرهم ﴿فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَقُلۡ أَنذَرۡتُكُمۡ صَـٰعِقَةࣰ مِّثۡلَ صَـٰعِقَةِ عَادࣲ وَثَمُودَ ﴿١٣﴾ إِذۡ جَاۤءَتۡهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَیۡنِ أَیۡدِیهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا تَعۡبُدُوۤاْ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ قَالُواْ لَوۡ شَاۤءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَـٰۤىِٕكَةࣰ فَإِنَّا بِمَاۤ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ ﴿١٤﴾ فَأَمَّا عَادࣱ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِی ٱلۡأَرۡضِ بِغَیۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَلَمۡ یَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِی خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةࣰۖ وَكَانُواْ بِـَٔایَـٰتِنَا یَجۡحَدُونَ ﴿١٥﴾ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَیۡهِمۡ رِیحࣰا صَرۡصَرࣰا فِیۤ أَیَّامࣲ نَّحِسَاتࣲ لِّنُذِیقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡیِ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأَخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا یُنصَرُونَ ﴿١٦﴾ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَیۡنَـٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ فَأَخَذَتۡهُمۡ صَـٰعِقَةُ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡهُونِ بِمَا كَانُواْ یَكۡسِبُونَ﴾.
سادسًا: وبعد هذا التحذير من مصيرٍ كمصير عادٍ وثمود وما لاقوه من عذابٍ وهلاكٍ في هذه الدنيا، عادَ ليُحذِّرهم من العذاب الأكبر والأدوم ﴿وَیَوۡمَ یُحۡشَرُ أَعۡدَاۤءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمۡ یُوزَعُونَ ﴿١٩﴾ حَتَّىٰۤ إِذَا مَا جَاۤءُوهَا شَهِدَ عَلَیۡهِمۡ سَمۡعُهُمۡ وَأَبۡصَـٰرُهُمۡ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ یَعۡمَلُونَ ﴿٢٠﴾ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمۡ لِمَ شَهِدتُّمۡ عَلَیۡنَاۖ قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِیۤ أَنطَقَ كُلَّ شَیۡءࣲۚ وَهُوَ خَلَقَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةࣲ وَإِلَیۡهِ تُرۡجَعُونَ ﴿٢١﴾ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَتِرُونَ أَن یَشۡهَدَ عَلَیۡكُمۡ سَمۡعُكُمۡ وَلَاۤ أَبۡصَـٰرُكُمۡ وَلَا جُلُودُكُمۡ وَلَـٰكِن ظَنَنتُمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَا یَعۡلَمُ كَثِیرࣰا مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ﴿٢٢﴾ وَذَ ٰ⁠لِكُمۡ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِی ظَنَنتُم بِرَبِّكُمۡ أَرۡدَىٰكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم مِّنَ ٱلۡخَـٰسِرِینَ ﴿٢٣﴾ فَإِن یَصۡبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثۡوࣰى لَّهُمۡۖ وَإِن یَسۡتَعۡتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلۡمُعۡتَبِینَ﴾، ﴿فَلَنُذِیقَنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ عَذَابࣰا شَدِیدࣰا وَلَنَجۡزِیَنَّهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِی كَانُواْ یَعۡمَلُونَ ﴿٢٧﴾ ذَ ٰ⁠لِكَ جَزَاۤءُ أَعۡدَاۤءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُۖ لَهُمۡ فِیهَا دَارُ ٱلۡخُلۡدِ جَزَاۤءَۢ بِمَا كَانُواْ بِـَٔایَـٰتِنَا یَجۡحَدُونَ﴾.
وهناك يكون التلاوُم فيما بينهم، ويتبرَّأ بعضهم من بعض بعد أن كانوا يتناصَرُون في هذه الدنيا ويتنادَون لمحاربة الحقِّ وأهله ﴿وَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ رَبَّنَاۤ أَرِنَا ٱلَّذَیۡنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ نَجۡعَلۡهُمَا تَحۡتَ أَقۡدَامِنَا لِیَكُونَا مِنَ ٱلۡأَسۡفَلِینَ﴾.
سابعًا: يُشيرُ القرآن إشارةً سريعةً إلى علاقة العقائد الفاسدة بالسلوك الفاسد، والتقصير في حقوق الناس، والإعراض عن مُساعَدة الفقراء والمُحتاجِين ﴿وَوَیۡلࣱ لِّلۡمُشۡرِكِینَ ﴿٦﴾ ٱلَّذِینَ لَا یُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأَخِرَةِ هُمۡ كَـٰفِرُونَ﴾.
ثامنًا: وفي ثنايا هذه الآيات جاء التأكيد بنجاة المؤمنين وتميُّزهم عن هؤلاء المُجرمين ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمۡ أَجۡرٌ غَیۡرُ مَمۡنُونࣲ﴾، ﴿وَنَجَّیۡنَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ یَتَّقُونَ﴾.


﴿حمۤ﴾ تقدَّم الكلام في الحروف المقطَّعة أوَّل سورة البقرة.
﴿كِتَـٰبࣱ فُصِّلَتۡ ءَایَـٰتُهُۥ﴾ هو القرآن الذي جاءت آياته كلُّها واضحة المعنى مُبيِّنةً لأحكام الله في العقيدة والشريعة، ومُفصِّلة لقصص النبيِّين وما فيها من دروسٍ وعبرٍ، فليس في القرآن ألغاز وأحاجِي، ولا مُبهمات وطلاسِم، بل هو الهدى والنور في كلِّ آيةٍ من آياته، وكلِّ كلمةٍ من كلماته.
﴿قُرۡءَانًا عَرَبِیࣰّا﴾ بلُغته وبيانه، وإلا فالقرآن ربانيُّ المصدر، عالميُّ الرسالة.
﴿لِّقَوۡمࣲ یَعۡلَمُونَ﴾ تأكيدٌ للصلة بين القرآن والعلم.
﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِیۤ أَكِنَّةࣲ مِّمَّا تَدۡعُونَاۤ إِلَیۡهِ وَفِیۤ ءَاذَانِنَا وَقۡرࣱ وَمِنۢ بَیۡنِنَا وَبَیۡنِكَ حِجَابࣱ﴾ هذا هو العِناد الذي يُعمي ويُصم، وهو الذي يحول بينهم وبين طريق الهداية، فقلوبهم لا تفقَه؛ لأنّها مغلَّفة بالأكِنَّة؛ وهي الأغطِية التي تحجُبُها عن التفكير، وهي أغطِية الكِبر والغرور، وآذانهم لا تسمع؛ لأنّها مملوءة بالوَقْر؛ وهو ثِقَل الغلِّ والحسد، وعيونهم لا ترى؛ لأنّ أمامها حجابًا سميكًا من صُنع أنفسهم، وهكذا يكونون قد اعترفوا بأنّهم قد أغلقوا بأيديهم كلَّ منافذ المعرفة فأقامُوا بذلك الحجَّة على أنفسهم.
﴿قُلۡ إِنَّمَاۤ أَنَا۠ بَشَرࣱ مِّثۡلُكُمۡ یُوحَىٰۤ إِلَیَّ﴾ تعريفٌ دقيقٌ للنبوَّة، فإنّما النبيُّ بشرٌ يُوحَى إليه؛ فمَن أخرجه عن بشريَّته فقد ضلَّ، وكذلك من ادّعى الوحي بأي صورةٍ من الصور لغير الأنبياء؛ لأنّه نسب النبوّة لغيرهم وإن سمَّاها باسمٍ آخر، كما يفعل غُلاة الشيعة ببعض الأئمة من آلِ البيت، وآلُ البيتِ من ذلك براء.
﴿لَهُمۡ أَجۡرٌ غَیۡرُ مَمۡنُونࣲ﴾ غير مقطوعٍ ولا منقوصٍ.
﴿خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِی یَوۡمَیۡنِ﴾ من أيَّام الله التي هي ليست كأيَّامنا؛ لأنّ يوم الأرض إنّما هو ناتجٌ عن دوران الأرض حول نفسها أمام الشمس، فيومها متأخرٌ عن وجودها بالضرورة.
﴿وَجَعَلَ فِیهَا رَوَ ٰ⁠سِیَ﴾ جبالًا.
﴿وَبَـٰرَكَ فِیهَا﴾ فالأرض محلٌّ لبركة الله وخيره وفضله، وعلاقة المؤمن بهذه الأرض مبنيَّة على هذا المعنى الودود واللطيف.
﴿وَقَدَّرَ فِیهَاۤ أَقۡوَ ٰ⁠تَهَا﴾ ثرواتها وكلّ ما يحتاجه الناس فيها وفق ميزانٍ دقيق، وهذا مِن شأنه أن يصنع الطمأنينة في نفوس الناس، ويزيح عنهم الشعور بالقلق والخوف من نفاد الرزق.
﴿ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰۤ إِلَى ٱلسَّمَاۤءِ وَهِیَ دُخَانࣱ﴾ هذا من الأخبار الغيبيَّة التي لا قُدرة للعقل على الإحاطة بها، أو تصوُّرها على حقيقتها كما هي في عالم الغيب، والمقصود منها واضحٌ، وهو تنبيهُ العقل إلى عظمة هذا الخلق ودِقَّتِه، ووضع العقل أيضًا في مكانه الصحيح، فهو يتدبَّرُ ويتأمَّلُ، ولا يتجاوز ذلك إلى القول على الله وعلى خلقه بغير علمٍ.
﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِیَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهࣰا﴾ أي: توجَّهَت إرادةُ الله إليهما بأن يكونا فكانتا، وقوله: ﴿طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهࣰا﴾ معناه: الحتم الذي لا تردُّد فيه، وليس معناه نسبة الاختيار إليهما، فالسماء والأرض لا تملِكان الإرادة ولا الاختيار، وقوله: ﴿أَتَیۡنَا طَاۤىِٕعِینَ﴾ أي: كانتا كما أراد الله.
﴿فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَـٰوَاتࣲ﴾ أتمَّ خلقهنَّ.
﴿وَأَوۡحَىٰ فِی كُلِّ سَمَاۤءٍ أَمۡرَهَاۚ﴾ أي: شأنها، فلكلِّ سماءٍ وظيفتها في هذا الكون، فالله لم يخلُق هذه السماوات عبَثًا، والوحي هنا معناه: التكوين الخلقي، كما قال في النحل: ﴿وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ﴾ [النحل: 68]، أي: كوَّنَها وجعل فيها هذه الغريزة.
﴿وَزَیَّنَّا ٱلسَّمَاۤءَ ٱلدُّنۡیَا بِمَصَـٰبِیحَ﴾ أي: زيَّن السماء بالنجوم والكواكب، وفي هذا تنبيهٌ لقيمة الجمال والتزيُّن.
﴿وَحِفۡظࣰاۚ﴾ هذه وظيفةٌ أخرى للنجوم أن يحفظ الله بها السماء، وهذا خبرٌ غيبيٌّ نؤمن به كما ورد، والمقصود به: تأكيد حفظ الوحي النازل من السماء عن أي شائبةٍ من وساوس الشياطين وتخرُّصاتهم.
﴿فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ﴾ أي: فإن استمرَّ أهل مكَّة في إعراضهم.
﴿فَقُلۡ أَنذَرۡتُكُمۡ صَـٰعِقَةࣰ مِّثۡلَ صَـٰعِقَةِ عَادࣲ وَثَمُودَ﴾ تذكيرٌ لقريش بما أصاب أسلافهم من مُشركي الأُمم السابقة.
﴿إِذۡ جَاۤءَتۡهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَیۡنِ أَیۡدِیهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ﴾ كناية عن أنّ هؤلاء الرسل عليهم السلام قد سلكوا كلَّ السُّبل، واتخذوا كلَّ الأسباب لدعوة أقوامهم.
﴿قَالُواْ لَوۡ شَاۤءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَـٰۤىِٕكَةࣰ﴾ حُجَّة تُردِّدُها هذه الأقوام؛ لتشابُهٍ في طريقة التفكير عندهم، فهم لا يُريدون أن يُكرِّمَ الله إنسانًا من بينهم بهذه الرسالة، بدوافع نفسيَّةٍ لا تخفَى، وربما يقصِدُون أيضًا التعجيزَ أو التهكُّمَ.
﴿وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ﴾ هذا مبعَثُ غرورهم واستعلائِهم الباطل.
﴿أَوَلَمۡ یَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِی خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةࣰۖ﴾ هذا هو القياس الذي يُهذِّب النفوس، ويُلجم نزوات الأقوياء ليتواضعوا، فهم خُلِقوا من لا شيء، وما كانوا يملكون من شيء، حتى الطعام والشراب وقضاء الحاجة لا يستقلِّون بها دون مساعدة الآخرين، فكيف يغترُّون اليوم بقوتهم وهم على علمٍ بأنّها زائلةٌ لا محالة.
﴿رِیحࣰا صَرۡصَرࣰا﴾ عاصفة شديدة الصوت، والصرصرة: صوت الدويّ والصفير الذي يصحب الريح إذا كانت مُسرِعة.
﴿فِیۤ أَیَّامࣲ نَّحِسَاتࣲ﴾ في أيَّامٍ مشؤوماتٍ نكداتٍ.
﴿فَهَدَیۡنَـٰهُمۡ﴾ فأرشدناهم لطريق الهداية وعلّمناهم.
﴿فَٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ﴾ رفضوا الهداية وآثروا الضلال.
﴿ٱلۡعَذَابِ ٱلۡهُونِ﴾ العذاب الذي يُهينهم ويُذِلُّ كبرياءهم.
﴿بِمَا كَانُواْ یَكۡسِبُونَ﴾ تأكيدٌ لعقيدة العدل الإلهي وأنَّ الإنسان إنَّما يحصد ما زرع.
﴿فَهُمۡ یُوزَعُونَ﴾ يُجمَعُون في مكانٍ واحدٍ.
﴿شَهِدَ عَلَیۡهِمۡ سَمۡعُهُمۡ وَأَبۡصَـٰرُهُمۡ وَجُلُودُهُم﴾ شهادة اللوم والتوبيخ؛ لأنّ هذه الحواس كانت تتَّصِل بدعوة النبيين فيكفُّها أصحابها، ولو عقلوا لانتفعوا بها ونجَوا مما أوقعوا أنفسَهم فيه.
﴿قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِیۤ أَنطَقَ كُلَّ شَیۡءࣲۚ﴾ وهو نُطْقٌ لا نعلم كيفيّته، لكنه ثابتٌ بالنص ولا مانع منه في العقل، فالله الذي أنطق اللسان قادرٌ على أن يُنطق غيره.
﴿وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَتِرُونَ أَن یَشۡهَدَ عَلَیۡكُمۡ سَمۡعُكُمۡ وَلَاۤ أَبۡصَـٰرُكُمۡ وَلَا جُلُودُكُمۡ وَلَـٰكِن ظَنَنتُمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَا یَعۡلَمُ كَثِیرࣰا مِّمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ بمعنى أنّكم لم تكونوا تحذَرُون من هذه الشهادة؛ لأنّكم كنتم تشُكُّون بقُدرة الله عليكم، وبعلمه بأحوالكم، ولم تكونوا تُؤمنون بالبعث والحساب.
﴿وَذَ ٰ⁠لِكُمۡ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِی ظَنَنتُم بِرَبِّكُمۡ أَرۡدَىٰكُمۡ﴾ أي: هذا الشكُّ الباطل وتلك الأفكار الخاطئة هي التي أهلَكَتكم وقادَتكم إلى هذا المصير البائس.
﴿فَٱلنَّارُ مَثۡوࣰى لَّهُمۡۖ﴾ مأوى ومنزلٌ لهم.
﴿وَإِن یَسۡتَعۡتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلۡمُعۡتَبِینَ﴾ أي: إن يعتَذِرُوا لا يُقبل منهم عُذرُهم، وأصلُ العُتبَى: الرجوع إلى ما يُرضِي العاتِب.
﴿۞ وَقَیَّضۡنَا لَهُمۡ قُرَنَاۤءَ﴾ هيَّأنا لهم نُظراء على شاكلتهم، وهذا من جِنايتهم على أنفسهم وليس بظُلم الله لهم - حاشاه -؛ إذ الذي يسير على درب الباطل لن يجد معه إلا قرناء الباطل، وهذه سنَّةٌ من سُنن الحياة.
﴿فَزَیَّنُواْ لَهُم مَّا بَیۡنَ أَیۡدِیهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ﴾ أي: زيَّن لهم قُرناؤهم ما هم فيه من الباطل، حتى أحاط الباطل بهم من كلِّ جنبٍ، وفي هذا إشارةٌ إلى تأثيرِ البيئة في أخلاقِ الشخص وتصوُّراته المُختلفة.
﴿وَحَقَّ عَلَیۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِیۤ أُمَمࣲ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم﴾ أي: حقَّ عليهم الوعيدُ الإلهيُّ بإهلاكهم وتعذيبهم.
﴿وَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ لَا تَسۡمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِیهِ لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ﴾ هذا هو دَيدَنُ الباطل في مُواجهة الحقِّ، إنَّه يستخدم التضليل والتشويش والإشغال ولو باللَّغو الذي لا معنى له؛ إذ هو أعجَزُ من أن يُواجِهَ الحقَّ بالحُجَّة.
﴿وَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ رَبَّنَاۤ أَرِنَا ٱلَّذَیۡنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ نَجۡعَلۡهُمَا تَحۡتَ أَقۡدَامِنَا لِیَكُونَا مِنَ ٱلۡأَسۡفَلِینَ﴾ هذه حسرَةُ الأتباع وهم يَجْنُون ثمارَ اتِّباعهم لشياطين الإنس والجن، فليس لديهم سِوَى الأماني، والشعور بالغَبن، والتشفِّي برؤية متبُوعِيهم في هذا العذاب المُهِين، وتحت أسفل السافلين؛ وجاء بصيغة التثنِية للدلالة على المُضلِّين مِن فريقَي الإنس والجنِّ.