سورة الزخرف تفسير مجالس النور الآية 1

المجلس السادس عشر بعد المائتين: إنا جعَلناه قرآنًا عربيًّا لعلكم تعقلون


الآية (1- 30)


إذا كان الموضوعُ الأساسُ في سورة الشورى هو الوحيُ، فإنَّ الموضوع الأساس لهذه السورة هو القرآن، ومن هنا تكون هذه السورة كأنَّها امتِدادٌ لسورة الشورى.
في هذه الآيات جاء الحديثُ عن القرآن في إطار الصراع المُستمرِّ مع الوثنيَّة وأعرافها وتقاليدها، والتي كانت تُهيمِنُ بشكلٍ شبهِ مُطلَقٍ على مكّة وما حولها، بل وغالب جزيرة العرب، ويمكن تلخيصُ النقاط التي ورَدَت في هذا الإطار بالآتي:
أولًا: بيان رسالة القرآن الخالدة في هذه الحياة، والتنويه ببيانه وعلوِّ شأنه وحكمته ﴿حمۤ ﴿١﴾ وَٱلۡكِتَـٰبِ ٱلۡمُبِینِ ﴿٢﴾ إِنَّا جَعَلۡنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِیࣰّا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ﴿٣﴾ وَإِنَّهُۥ فِیۤ أُمِّ ٱلۡكِتَـٰبِ لَدَیۡنَا لَعَلِیٌّ حَكِیمٌ﴾.
ثانيًا: بيان أنّ موقف المشركين في مكّة لا يختلف عن موقف المشركين السابقين في الأمم الغابِرة ممن كذَّبوا بأنبيائهم، واستَهزَؤُوا برسالاتهم ﴿أَفَنَضۡرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكۡرَ صَفۡحًا أَن كُنتُمۡ قَوۡمࣰا مُّسۡرِفِینَ ﴿٥﴾ وَكَمۡ أَرۡسَلۡنَا مِن نَّبِیࣲّ فِی ٱلۡأَوَّلِینَ ﴿٦﴾ وَمَا یَأۡتِیهِم مِّن نَّبِیٍّ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ یَسۡتَهۡزِءُونَ﴾.
ثالثًا: بيان أنّ السبب الذي دفع هؤلاء المشركين وأسلافهم إلى هذا الموقف المُعادي للرسالة الإلهيَّة إنّما هو التقليد الأعمى لموروث الآباء والأجداد ﴿أَمۡ ءَاتَیۡنَـٰهُمۡ كِتَـٰبࣰا مِّن قَبۡلِهِۦ فَهُم بِهِۦ مُسۡتَمۡسِكُونَ ﴿٢١﴾ بَلۡ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدۡنَاۤ ءَابَاۤءَنَا عَلَىٰۤ أُمَّةࣲ وَإِنَّا عَلَىٰۤ ءَاثَـٰرِهِم مُّهۡتَدُونَ ﴿٢٢﴾ وَكَذَ ٰ⁠لِكَ مَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِی قَرۡیَةࣲ مِّن نَّذِیرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَاۤ إِنَّا وَجَدۡنَاۤ ءَابَاۤءَنَا عَلَىٰۤ أُمَّةࣲ وَإِنَّا عَلَىٰۤ ءَاثَـٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ ﴿٢٣﴾ ۞ قَـٰلَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكُم بِأَهۡدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمۡ عَلَیۡهِ ءَابَاۤءَكُمۡۖ قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَاۤ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾.
وقد تضمَّنَت هذه الآيات الإشارة إلى سببٍ آخر من أسباب هذا العداء، ألا وهو الترف؛ فالمترفون هم الذين يُبدون حرصًا أكثر من غيرهم على الموروث؛ لأنّهم يخشون التغيير الذي يرَون فيه تهديدًا لمكاسبهم التي ورثوها في ظلِّ هذه الأعراف والتقاليد، والنظام الاجتماعي القائم.
رابعًا: تنبِيهُ العقول إلى آيات الله المبثُوثة في هذا الكون، لعلَّها تستَعلِي على الواقع الصغير والمُتخلِّف الذي يُقدِّسُ الحِجارةَ، ويخافُ منها، ويُقدِّمُ القرابِين لها، رغم اعتِرافه بأنّ هذه الحجارة ليست هي التي خلَقَت هذا الكَون ﴿وَلَىِٕن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ لَیَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡعَلِیمُ ﴿٩﴾ ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدࣰا وَجَعَلَ لَكُمۡ فِیهَا سُبُلࣰا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ﴿١٠﴾ وَٱلَّذِی نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءَۢ بِقَدَرࣲ فَأَنشَرۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةࣰ مَّیۡتࣰاۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ تُخۡرَجُونَ ﴿١١﴾ وَٱلَّذِی خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَ ٰ⁠جَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡفُلۡكِ وَٱلۡأَنۡعَـٰمِ مَا تَرۡكَبُونَ ﴿١٢﴾ لِتَسۡتَوُۥاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ رَبِّكُمۡ إِذَا ٱسۡتَوَیۡتُمۡ عَلَیۡهِ وَتَقُولُواْ سُبۡحَـٰنَ ٱلَّذِی سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِینَ ﴿١٣﴾ وَإِنَّـاۤ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾، فالذي خلق كلّ هذه النعم في البَرِّ والبحر والسماء، وجعل فيها هذا النظام الدقيق الذي لا تقوم الحياة بغيره هو الجدير بالشكر والعبادة، وليس تلك الآلهة الصمَّاء البكماء.
خامسًا: التنديد بالتصوّرات الجاهليّة الظالمة والآثمة بحقِّ الله، والتي اعتادَت الجرأة على مقام الألوهيَّة بغير علمٍ ولا دليلٍ ﴿وَجَعَلُواْ لَهُۥ مِنۡ عِبَادِهِۦ جُزۡءًاۚ إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ لَكَفُورࣱ مُّبِینٌ ﴿١٥﴾ أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا یَخۡلُقُ بَنَاتࣲ وَأَصۡفَىٰكُم بِٱلۡبَنِینَ ﴿١٦﴾ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحۡمَـٰنِ مَثَلࣰا ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدࣰّا وَهُوَ كَظِیمٌ ﴿١٧﴾ أَوَمَن یُنَشَّؤُاْ فِی ٱلۡحِلۡیَةِ وَهُوَ فِی ٱلۡخِصَامِ غَیۡرُ مُبِینࣲ ﴿١٨﴾ وَجَعَلُواْ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةَ ٱلَّذِینَ هُمۡ عِبَـٰدُ ٱلرَّحۡمَـٰنِ إِنَـٰثًاۚ أَشَهِدُواْ خَلۡقَهُمۡۚ سَتُكۡتَبُ شَهَـٰدَتُهُمۡ وَیُسۡـَٔلُونَ﴾.
فهم يُشرِكون مع الله آلهةً أخرى، ثم لم يكتَفُوا بذلك، بل راحوا ينسبون إلى الله البنات، زاعمين أنّ الملائكة إنّما هم بنات الله، وهم في الوقت ذاته يكرَهون البنات ويحتقرونهنَّ إلى الحدِّ الذي يبقى أحدهم مُسودَّ الوجهِ حزينًا كئيبًا لو رزقه الله ببنت، وهم بهذا قد ارتَكَبوا جريمتَين: احتِقار المرأة من ناحيةٍ، ثم نِسبة هذا المُحتَقر - بزعمهم - إلى الله!
سادسًا: تأكيدُ المُفاصَلَة التامَّة بين طريق التوحيد وطريق الشرك، والتأكيد أيضًا للبُعد التاريخي لهذه المفاصلة، بمعنى أنّ هذا الافتراق لم ينشأ الآن، بل هو عميقٌ عُمق الرسالات السماويَّة واختلاف الناس عليها ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَ ٰ⁠هِیمُ لِأَبِیهِ وَقَوۡمِهِۦۤ إِنَّنِی بَرَاۤءࣱ مِّمَّا تَعۡبُدُونَ ﴿٢٦﴾ إِلَّا ٱلَّذِی فَطَرَنِی فَإِنَّهُۥ سَیَهۡدِینِ ﴿٢٧﴾ وَجَعَلَهَا كَلِمَةَۢ بَاقِیَةࣰ فِی عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمۡ یَرۡجِعُونَ ﴿٢٨﴾ بَلۡ مَتَّعۡتُ هَـٰۤـؤُلَاۤءِ وَءَابَاۤءَهُمۡ حَتَّىٰ جَاۤءَهُمُ ٱلۡحَقُّ وَرَسُولࣱ مُّبِینࣱ ﴿٢٩﴾ وَلَمَّا جَاۤءَهُمُ ٱلۡحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحۡرࣱ وَإِنَّا بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾.
والتذكير بقصة إبراهيم عليه السلام في هذا السياق إنّما جاء لتأكيد الهويَّة الإسلاميَّة وعُمقها التاريخي، وكشف الانحراف الذي شطَّ بالمشركين بعيدًا عن الإبراهيميَّة السمحة التي لا زالوا يتشبَّثون ببعض شعائرها وآثارها.
سابعًا: التحذير من العاقبة الأليمة التي تنتظر المشركين إن هم أصرُّوا على شِركهم وكفرهم ﴿فَأَهۡلَكۡنَاۤ أَشَدَّ مِنۡهُم بَطۡشࣰا وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلۡأَوَّلِینَ﴾، ﴿فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡۖ فَٱنظُرۡ كَیۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِینَ﴾.


﴿حمۤ﴾ تقدَّم الحديث عن الحروف المقطعة والرأي الراجح فيها أول سورة البقرة.
﴿إِنَّا جَعَلۡنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِیࣰّا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ تأكيدٌ للصلة بين الوحي والعقل؛ إذ إنّ مُنزِّلَ الوحي وخالقَ العقلِ واحد، وهو الله ـ، فلو تنزَّه العقل عن أدرَان التعصُّب والهوى والتقليد لاهتدى لنور الوحي بالضرورة.
﴿وَإِنَّهُۥ فِیۤ أُمِّ ٱلۡكِتَـٰبِ لَدَیۡنَا لَعَلِیٌّ حَكِیمٌ﴾ أي: إنّ هذا القرآن موصوفٌ بالعلوِّ والحكمة في أصل الكتاب ومصدر الوحي، وهو اللوح المحفوظ، واللوح من الأمور الغيبيَّة فلا نعلم كُنهَه ولا صورتَه، لكن المعنى العام له مرتبطٌ بعِلم الله تعالى الأزلي، فيكون المعنى الإجمالي أنّ هذا القرآن عندنا وفي عِلمنا الأزلي عليٌّ حكيمٌ، والله أعلم.
﴿أَفَنَضۡرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكۡرَ صَفۡحًا أَن كُنتُمۡ قَوۡمࣰا مُّسۡرِفِینَ﴾ أفنقطع عنكم الوحيَ ونمنع نزول القرآن إعراضًا عنكم بسبب إسرافكم في التكذيب والعناد والمُكابرة، وهو سؤال قُصِدَ منه أنّ الوحي ماضٍ ولن ينقطع بسبب جهلهم وسفههم، وأنّ القرآن باقٍ في الأرض ما بقِيَ الليل والنهار.
﴿وَكَمۡ أَرۡسَلۡنَا مِن نَّبِیࣲّ فِی ٱلۡأَوَّلِینَ ﴿٦﴾ وَمَا یَأۡتِیهِم مِّن نَّبِیٍّ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ یَسۡتَهۡزِءُونَ﴾ بمعنى أنَّ فعلهم هذا ليس جديدًا؛ لأنّ دوافعه موجودة من القِدَم، فالتكبُّر والغرور والحسد موجودة في طبع الإنسان، وهي كفيلةٌ بأن تجعله يُعرِض عن الحقِّ إلَّا مَن زكَّى نفسه وحمَلَها على الطريق الصحيح، وفي هذا تسليةٌ أيضًا لرسولِ الله ﷺ.
﴿وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلۡأَوَّلِینَ﴾ أي: مضى في القرآن ذِكرُ الأمثلة من أولئك الأقوام المُكذِّبة وما جرى لهم.
﴿ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدࣰا﴾ مُمهَّدة لمعاشكم وسكنكم واستقراركم، فلا يوجد كوكبٌ آخر - بحسب المعلوم إلى الآن - يصلُح لحياة البشر كهذا الكوكب الذي أودَعَ الله فيه كلّ مُقوِّمات الحياة.
﴿فَأَنشَرۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةࣰ مَّیۡتࣰاۚ﴾ أي: فأحيَينا بماء المطر الأرضَ التي كانت ميتة وخالية من النبات، وجاء بوصفِ المُذكَّر لموصوفٍ مُؤنَّث؛ للدلالة على معنى المصدرِ الذي هو أبلغُ في الوصفِ، مع أنّ تأنيثَ البلدة مجازيٌّ، يصحُّ فيه ما لا يصحُّ في التأنيث الحقيقيّ.
﴿كَذَ ٰ⁠لِكَ تُخۡرَجُونَ﴾ تشبيهٌ لبعث الناس من جديدٍ بإعادة الحياة للأرض الميتة بعد نزول المطر.
﴿وَٱلَّذِی خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَ ٰ⁠جَ كُلَّهَا﴾ أي: خلق أصنافَ الموجودات وأنواعَها، وذَكَرَها وأُنْثَاها.
﴿لِتَسۡتَوُۥاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ﴾ أي: لتركبوا على وسائط النقل هذه في البَرِّ والبحر.
﴿ثُمَّ تَذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ رَبِّكُمۡ﴾ لأنّه سبحانه هو الذي خلقها ويسَّرها.
﴿سُبۡحَـٰنَ ٱلَّذِی سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا﴾ أي: ذلَّلَـه وطوَّعَه لنا، ومعلومٌ أنّ قُدرة الإنسان البدنيَّة لا تَقوَى على ترويض الخيول والجمال مثلًا، لولا أنّ الله تعالى أودَعَ فيها القابليَّة على الترويض، وهذا التسخيرُ في الحقيقة إنّما هو جزءٌ يسيرٌ من ظاهرة التسخير على مستوى الكون؛ فالشمس والقمر، والبَرُّ والبحر، والشجر والثمر، والأنعام، كلّها تسير بنظامٍ دقيقٍ يؤدِّي إلى خدمة هذا الإنسان، وسدِّ حاجاته الكليَّة والجزئيَّة، حتى التحسيني والتكميلي منها؛ كأدوات التزيُّن، والتطيُّب، والتفكُّه.
﴿وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِینَ﴾ أي: وما كنا قادِرين عليه لولا أنّ الله سخَّرَه وذلَّلَـه لنا.
﴿وَإِنَّـاۤ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ أي:وإنَّا إلى ربنا لراجعون.
﴿وَجَعَلُواْ لَهُۥ مِنۡ عِبَادِهِۦ جُزۡءًاۚ﴾ أي: وجعلوا بعض خلقه جزءًا منه - تعالى ربُّنا عن ذلك -؛ كقولهم في الملائكة أنّهم بنات الله، والولد جزءٌ من أبيه، فكأنّهم بقولهم هذا جعلوا الملائكة جُزءًا منه سبحانه.
﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا یَخۡلُقُ بَنَاتࣲ وَأَصۡفَىٰكُم بِٱلۡبَنِینَ﴾ أي: كيف خصَّكم الله بالبنين واختارَ لنفسه البنات؟ وهذا تنزُّلٌ لمُستوى عقولهم، وإلا فنسبةُ البنين إليه سبحانه كنسبةِ البنات، فهو سبحانه الغني عن البنين وعن البنات، لكنّهم - وهذا من عظيم جهلهم وسفاهتهم - يكرَهُون البنات ويحتقرونهنَّ، بدلالة قوله تعالى الآتي: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحۡمَـٰنِ مَثَلࣰا ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدࣰّا وَهُوَ كَظِیمٌ ﴿١٧﴾ أَوَمَن یُنَشَّؤُاْ فِی ٱلۡحِلۡیَةِ وَهُوَ فِی ٱلۡخِصَامِ غَیۡرُ مُبِینࣲ﴾.
فهم لا يَرَون المرأة إلا متاعًا مُبتذَلًا يُحسِن التزيُّن لهم، ولا يُحسِن البيان ولا التخاصُم والتقاتُل، ثم بعد كلِّ هذا يخُصُّون أنفسَهم بالبنين، ويخُصُّون اللهَ بالبنات، فجمَعُوا بين القُبحَين: قبح نظرتهم إلى المرأة واحتقارها، وقبح نسبة هذا المُحتَقَر عندهم إلى الله خالقهم.
﴿وَجَعَلُواْ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةَ ٱلَّذِینَ هُمۡ عِبَـٰدُ ٱلرَّحۡمَـٰنِ إِنَـٰثًاۚ أَشَهِدُواْ خَلۡقَهُمۡۚ﴾ هذا استفهامٌ إنكاريٌّ قُصِدَ منه بيانُ جَهلِهم وجُرأَتِهم على الله بغير علمٍ.
﴿سَتُكۡتَبُ شَهَـٰدَتُهُمۡ وَیُسۡـَٔلُونَ﴾ وعيدٌ وتهديدٌ شديدٌ، وفيه تعظيمٌ لمسؤوليَّة الكلِمة التي رُبَّما لا يُلقِي لها صاحِبُها بالًا، ولا يُعيرُ لها شأنًا؛ فكثيرٌ من التصوُّرات الجاهلة الظالمة تتسلَّل إلى عقول البشر حتى تكون جزءًا من ثقافتهم، ثم يتحزَّبون لها ويُوالون فيها وكأنّها عقائد ثابتةٌ بالوحي، وما هي كذلك.
﴿وَقَالُواْ لَوۡ شَاۤءَ ٱلرَّحۡمَـٰنُ مَا عَبَدۡنَـٰهُمۗ﴾ هذا نوعٌ من الاحتِجاج بالقدر، وإلقاء اللَّوم على المشيئة الإلهيَّة، وهذا هو الجهلُ بعَينه، والظلم بعَينه، فحاشَا لله أن يُجْبِرَ أحدًا على شيءٍ ثم يُعاقبه عليه، وإنّما هي مساحة الاختبار التي خصَّ الله بها هذا الإنسان ليتحرك فيها بإرادته الحرّة، ثم هو يتحمَّل مسؤوليَّة خياره وقراره؛ ولذلك نسَبَ الله هؤلاء المحتجِّين بالقدر إلى الجهل والتخرُّص ﴿مَّا لَهُم بِذَ ٰ⁠لِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا یَخۡرُصُونَ﴾ أي: يقولون قولًا بغير علمٍ ولا بيِّنةٍ.
﴿أَمۡ ءَاتَیۡنَـٰهُمۡ كِتَـٰبࣰا مِّن قَبۡلِهِۦ فَهُم بِهِۦ مُسۡتَمۡسِكُونَ﴾ سؤالٌ قُصِدَ به توبيخُهم على عنادهم وإعراضهم عن القرآن الكريم، وتأكيد أنّ قولَهم في الملائكة لا يستَنِدُ إلى علمٍ، ولا إلى خبرٍ صحيحٍ.
﴿إِنَّا وَجَدۡنَاۤ ءَابَاۤءَنَا عَلَىٰۤ أُمَّةࣲ﴾ على ملَّةٍ.
﴿۞ قَـٰلَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكُم بِأَهۡدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمۡ عَلَیۡهِ ءَابَاۤءَكُمۡۖ قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَاۤ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ سارَعوا في الإنكار على النذير الذي بعثه الله إليهم دون تفكيرٍ، ولا سؤالٍ، ولا حوارٍ، وهذه علامةٌ أنّ كفرهم لم يكن عن نظرٍ واستدلالٍ، بل عن كِبْرٍ وسفهٍ وعنادٍ.
﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَ ٰ⁠هِیمُ لِأَبِیهِ وَقَوۡمِهِۦۤ إِنَّنِی بَرَاۤءࣱ مِّمَّا تَعۡبُدُونَ﴾ أي: بريءٌ من أوثانكم وأصنامكم، وبدأ الخطاب بأبيه؛ تأكيدًا أنّ المفاصلة بين التوحيد والوثنيَّة لا تحتمل المجاملة ولو كان المقابل أبًا، فضلًا عمن دونه.
﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةَۢ بَاقِیَةࣰ فِی عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمۡ یَرۡجِعُونَ﴾ أي: جعل إبراهيم عليه السلام كلمة التوحيد باقية في ذريَّته، بمعنى أنّه ربَّاهم عليها، ووصَّاهم بها لتبقى محفوظة فيهم جيلًا بعد جيل.
﴿بَلۡ مَتَّعۡتُ هَـٰۤـؤُلَاۤءِ وَءَابَاۤءَهُمۡ حَتَّىٰ جَاۤءَهُمُ ٱلۡحَقُّ وَرَسُولࣱ مُّبِینࣱ﴾ يُخبر الله سبحانه أنّه أبقى هؤلاء المشركين ولم يستأصلهم رغم انحرافهم عن كلمة التوحيد، حتى يشهدوا الحقّ والرسول الخاتم الذي يُجدِّد في الناس دعوةَ جدِّه إبراهيم عليهما السلام.