سورة الدخان تفسير مجالس النور الآية 1

المجلس العشرون بعد المائتين: بل هم في شكٍّ يلعبون


الآية (1- 16)


على صلة بسورة الزخرف وموضوعها الأساس - وهو القرآن الكريم - تستهِلُّ هذه السورة بالحديث عن القرآن أيضًا، ثم تشرَعُ بالحديث عن المشركين وشكوكهم ووساوسهم وتخبطاتهم، ثم ينتقلُ السياق إلى التاريخ لالتقاط العبرة من قومٍ آخرين تشابه موقفهم مع موقف هؤلاء المشركين، ثم تختتم السورة بالمصير المحتوم الذي ينتظر الجميع ولن يستثنى منه أحدٌ.
أمَّا الحديث عن القرآن ومواقف المشركين المُتشكِّكة والمُضطربة فيمكن تلخيصها في الآتي:
أولًا: تأكيد أنّ هذا القرآن كتاب الله المُبين الذي أنزله الله في الليلة المباركة، وهي الليلة التي يُفْرَقُ فيها كلُّ أمرٍ حكيمٍ ﴿حمۤ ﴿١﴾ وَٱلۡكِتَـٰبِ ٱلۡمُبِینِ ﴿٢﴾ إِنَّـاۤ أَنزَلۡنَـٰهُ فِی لَیۡلَةࣲ مُّبَـٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِینَ ﴿٣﴾ فِیهَا یُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِیمٍ﴾.
ثانيًا: تأكيد أنّ الغاية الكبرى مِن هذا القرآن إنّما هي الرحمة، رحمة الله السميع العليم بهذا الخلق، فهو سبحانه أعلم بخلقه، وأعلم بما يُصلحُهم ويُحقِّقُ الرحمة لهم ﴿أَمۡرࣰا مِّنۡ عِندِنَاۤۚ إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِینَ ﴿٥﴾ رَحۡمَةࣰ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ ﴿٦﴾ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَیۡنَهُمَاۤۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِینَ ﴿٧﴾ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ یُحۡیِۦ وَیُمِیتُۖ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَاۤىِٕكُمُ ٱلۡأَوَّلِینَ﴾.
ثالثًا: تشخيص موقف المشركين أنّه موقفٌ لا يتَّسم بالجدّيَّة ولا الشعور بالمسؤوليَّة، بل هو موقفُ لاعبٍ عابثٍ ﴿بَلۡ هُمۡ فِی شَكࣲّ یَلۡعَبُونَ﴾ والشكّ وحده كان ممكنًا أن يكون علامةً على النظر والتفكير، والبحث عن الحقيقة، لكن اقتِرانه باللعب أبانَ عن معنًى آخر، إنّه الشكّ العابث الذي يكون مبعثه الحسد والكبر، وقلة المبالاة.
رابعًا: تحذير هؤلاء العابثين اللاعبين بما ينتظرهم في هذه الدار قبل يوم الحساب ﴿فَٱرۡتَقِبۡ یَوۡمَ تَأۡتِی ٱلسَّمَاۤءُ بِدُخَانࣲ مُّبِینࣲ ﴿١٠﴾ فَٱرۡتَقِبۡ یَوۡمَ تَأۡتِی ٱلسَّمَاۤءُ بِدُخَانࣲ مُّبِینࣲ﴾ آنذاك سيقول هؤلاء المشركون كما جرَت عادة بعض من تقدَّمهم في هذا التكذيب والتشكيك: ﴿رَّبَّنَا ٱكۡشِفۡ عَنَّا ٱلۡعَذَابَ إِنَّا مُؤۡمِنُونَ﴾ هكذا قال فرعون وقومه لموسى عليه السلام: ﴿وَقَالُواْ یَـٰۤأَیُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهۡتَدُونَ﴾ [الزخرف: 49]، وهنا يؤكِّد القرآن سنَّة الله في هذا الصنف من الناس ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلۡعَذَابِ قَلِیلًاۚ إِنَّكُمۡ عَاۤىِٕدُونَ﴾ هكذا أيضًا كان موقف فرعون وقومه ﴿فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِذَا هُمۡ یَنكُثُونَ﴾ [الزخرف: 50].
خامسًا: وبعد كلّ هذا اللعب والمُراوَغات اللاهِية العابِثة، يأتي القرار الحاسم الذي يَلِيقُ بهؤلاء، وفيه التحذيرُ والعِبرةُ الكافِيةُ لكلِّ ناظِرٍ وسامِعٍ ﴿یَوۡمَ نَبۡطِشُ ٱلۡبَطۡشَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰۤ إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾.


﴿حمۤ﴾ تقدَّم الحديث عن الحروف المُقطَّعة والرأي الراجح فيها أول سورة البقرة.
﴿وَٱلۡكِتَـٰبِ ٱلۡمُبِینِ﴾ يُقسم الله تعالى بكتابه العزيز؛ تعظيمًا له، وتنبيهًا إلى ما فيه من هدًى ونورٍ.
﴿إِنَّـاۤ أَنزَلۡنَـٰهُ فِی لَیۡلَةࣲ مُّبَـٰرَكَةٍۚ﴾ هي ليلة القدر، بدلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّـاۤ أَنزَلۡنَـٰهُ فِی لَیۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ﴾ [القدر: 1]، ومعلومٌ أنّها في رمضان؛ لقوله تعالى: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِیۤ أُنزِلَ فِیهِ ٱلۡقُرۡءَانُ﴾ [البقرة: 185].
وهذا النزول غيبيٌّ نتوقف فيه مع النص، أما نزول القرآن على محمدٍ ﷺ فمن المقطوع به أنَّه لم يكن في ليلةٍ واحدةٍ، ولا في سَنةٍ واحدةٍ، بل كان مفرّقًا ومُنجَّمًا ما بين بِعثته الشريفة إلى وفاته ﷺ، ولا يمنع أنّه قد ابتدأ نزوله هذا في ليلة القدر.
﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِینَ﴾ إشارة إلى كون القرآن نذيرًا للعالمين.
﴿فِیهَا یُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِیمٍ﴾ أي: فيها يُقضَى ويُفصَّل كلُّ أمرٍ مُحكَم من الأمور التي يُقدِّرها الله لخلقه.
﴿إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِینَ﴾ محمَّدًا ﷺ بهذا القرآن.
﴿رَحۡمَةࣰ مِّن رَّبِّكَۚ﴾ فالرسول رحمةٌ، ورسالته رحمةٌ، وليس في هذا الدين إلّا الرحمة ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء: 107]، لكنّها رحمةٌ لمن يقبَلُها لا لمن يأباها ويُحاربها.
﴿بَلۡ هُمۡ فِی شَكࣲّ یَلۡعَبُونَ﴾ والحديث عن المشركين الذين كفروا بهذا القرآن وشكَّكوا بما فيه من خبرٍ ووعيدٍ، تشكيك الغافلين اللاعبين، وليس تشكيك الناظرين المُفكّرين.
﴿فَٱرۡتَقِبۡ یَوۡمَ تَأۡتِی ٱلسَّمَاۤءُ بِدُخَانࣲ مُّبِینࣲ﴾ الدخان معروفٌ، وهو المنبعث من الحرق والنار، وقد وصفه الله تعالى بأنّه مُبِينٌ بمعنى: ظاهرٌ للعِيان لا يختلف فيه اثنان، وأنّه عامٌّ يغشى الناس، بمعنى أنّه يعلوهم ويُغطِّيهم، وهذا من علامات الساعة الثابتة، جاء في «صحيح مُسلِم»: «إِنَّهَا - أي: الساعة - لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْا عَشْرَ آيَاتٍ ..»، فَذَكَرَ: «الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيْسَى بْنِ مَرْيَمَ، وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ .. الحديث».
أما ما ورَدَ من أنَّ النبيَّ ﷺ قد دعَا على قريشٍ بالسِّنين، فأصابَهم القَحطُ حتى كان أحدهم يرى مثل الدخان من شدَّة الجوع، فهذه وإن كانت أحاديث ثابتة وصحيحة، لكن يبعُد تفسير الآية بها؛ لأنّ الذي رأَتْه قريشٌ لم يكن دُخانًا مُبينًا، ولم يكن يغشَى الناس؛ ولذلك استبعَدَه غيرُ واحدٍ من المُفسِّرين بينهم ابن كثير، مع أنّ ابن مسعودٍ فسَّرَ الآيةَ به، كما في رواية البخاري وغيره.
﴿رَّبَّنَا ٱكۡشِفۡ عَنَّا ٱلۡعَذَابَ إِنَّا مُؤۡمِنُونَ﴾ هذا دَيدَنُ كثيرٍ من الغافِلين اللاعِبين، وهو أنّهم حينما يرَون العذابَ أو مُقدِّماته يلجَؤُون بالضراعة إلى الله، لكنّها ضراعةٌ أشبَه بحالة المُراوَغة واللعب أيضًا؛ ولذلك فإنّهم عائدون إلى اللجاجة في الكفر بعد تأخير العذاب عنهم ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلۡعَذَابِ قَلِیلًاۚ إِنَّكُمۡ عَاۤىِٕدُونَ﴾ هكذا فعل فرعون وقومه كما مرّ آنفًا.
﴿أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكۡرَىٰ وَقَدۡ جَاۤءَهُمۡ رَسُولࣱ مُّبِینࣱ﴾ هذا توبيخٌ لهم؛ إذ كان الأحرى بهم أن يتفكَّروا ويتذكَّروا لما جاءهم رسولهم بالبيِّنات والآيات المُعجزات، لكنّهم لم يتّعظوا حتى جاءهم العذاب.
﴿یَوۡمَ نَبۡطِشُ ٱلۡبَطۡشَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰۤ إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ الأظهر أنّ ذلك يوم القيامة، فهذا هو الوعيد الذي ما فوقه وعيد، وذِكْر آية الدخان قرينة أيضًا، والله أعلم.