سورة المجادلة تفسير مجالس النور الآية 2

ٱلَّذِینَ یُظَـٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَاۤىِٕهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَـٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّـٰۤـِٔی وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَیَقُولُونَ مُنكَرࣰا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورࣰاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورࣱ ﴿٢﴾

تفسير مجالس النور سورة المجادلة

المجلس الخمسون بعد المائتين: من فقه الأسرة والمجتمع المسلم


لآية (1- 13)


سورةُ المُجادلة سورة مدنيَّة جاءت جوابًا على بعض التساؤلات والمشكلات المتعلِّقة بالعلاقات الأسريَّة والاجتماعيَّة، وجاءت أيضًا لموضوعٍ آخر متعلِّق بظاهرة النفاق، والتي لها تأثيرها السيِّئ في بنية المجتمع المسلم وتماسُكه.
أمّا ما يتعلق بالفقه الذي يخصُّ الأُسرةَ المسلمة والعلاقات الاجتماعيَّة الداخليَّة، فيمكن تلخيصه في المسائل الآتية:
المسألة الأولى: في حكم الظِّهار، وهو نوعٌ من الطلاق المُتعارَف عليه في الجاهلية؛ حيث يقول الرجل لامرأته: أنت علَيَّ كظَهْرِ أُمِّي، أي: يُحرِّمُها على نفسه، وقد جاءت امرأةٌ مسلمةٌ إلى رسول الله تشكو له زوجَها الذي ظاهَرَ منها ﴿قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِی تُجَـٰدِلُكَ فِی زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِیۤ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ یَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَاۤۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِیعُۢ بَصِیرٌ﴾.
فنزل الوحيُ مُندِّدًا بهذا السلوك المنكر ﴿ٱلَّذِینَ یُظَـٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَاۤىِٕهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَـٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّـٰۤـِٔی وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَیَقُولُونَ مُنكَرࣰا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورࣰاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورࣱ﴾، ثم بيَّن حُكمَ الله في حالة الرغبة بالصُّلْح والعودة عن الظهار: ﴿وَٱلَّذِینَ یُظَـٰهِرُونَ مِن نِّسَاۤىِٕهِمۡ ثُمَّ یَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِیرُ رَقَبَةࣲ مِّن قَبۡلِ أَن یَتَمَاۤسَّاۚ ذَ ٰ⁠لِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣱ﴾، فإن لم يجِد الرَّقَبة أو لم يتمكَّن من تحريرها انتقل إلى الصيام ﴿فَمَن لَّمۡ یَجِدۡ فَصِیَامُ شَهۡرَیۡنِ مُتَتَابِعَیۡنِ مِن قَبۡلِ أَن یَتَمَاۤسَّاۖ﴾، فمَن كان لا يَقوَى على الصيام، وجَبَ عليه إطعام ستِّين مسكينًا ﴿فَمَن لَّمۡ یَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّینَ مِسۡكِینࣰاۚ ذَ ٰ⁠لِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱلـلَّـهِۗ وَلِلۡكَـٰفِرِینَ عَذَابٌ أَلِیمٌ﴾.
المسألة الثانية: في النجوَى، ومعناها الشرعي: أن يتناجَى مجموعةٌ من المسلمين بأمرٍ عام دون بقيَّة المسلمين بما يشقُّ الصفَّ، ويُثيرُ الفتنةَ والبلبلةَ، وقد مهَّد القرآن لتناوُل هذه المسألة بالتذكير أنّ الله يعلم ما يدور في كلِّ نجوى.
والقصد من هذا: تحفيز جانب المراقبة الذاتيَّة والخوف من الله تعالى ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ یَعۡلَمُ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِۖ مَا یَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ وَلَا خَمۡسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمۡ وَلَاۤ أَدۡنَىٰ مِن ذَ ٰ⁠لِكَ وَلَاۤ أَكۡثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمۡ أَیۡنَ مَا كَانُواْۖ ثُمَّ یُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمٌ﴾.
ثم قطع القرآن بتحريم النجوى، مُشعِرًا بأنّ مَن عادَ لها بعد التحريم فإنّما هو مُنافقٌ مُستوجِبٌ للنار ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجۡوَىٰ ثُمَّ یَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَیَتَنَـٰجَوۡنَ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَ ٰ⁠نِ وَمَعۡصِیَتِ ٱلرَّسُولِ ۖ وَإِذَا جَاۤءُوكَ حَیَّوۡكَ بِمَا لَمۡ یُحَیِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَیَقُولُونَ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ لَوۡلَا یُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُۚ حَسۡبُهُمۡ جَهَنَّمُ یَصۡلَوۡنَهَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِیرُ﴾.
ثم وجَّه الخطابَ للمؤمنين ينصَحهم ويوجِّههم، ويشرح لهم مخاطرَ النجوى وآثارها السيّئة في المجتمع المسلم ﴿یَــٰۤـأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا تَنَـٰجَیۡتُمۡ فَلَا تَتَنَـٰجَوۡاْ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَ ٰ⁠نِ وَمَعۡصِیَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَـٰجَوۡاْ بِٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِیۤ إِلَیۡهِ تُحۡشَرُونَ ﴿٩﴾ إِنَّمَا ٱلنَّجۡوَىٰ مِنَ ٱلشَّیۡطَـٰنِ لِیَحۡزُنَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ وَلَیۡسَ بِضَاۤرِّهِمۡ شَیۡـًٔا إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡیَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾.
المسألة الثالثة: في آداب المجالس، ومنها: التوسُّع في المجلس إذا دعَت الحاجة، ومنها: أدب الانصراف، ومنها: تقديم ذوي العلم والفضل ﴿یَــٰۤـأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا قِیلَ لَكُمۡ تَفَسَّحُواْ فِی ٱلۡمَجَـٰلِسِ فَٱفۡسَحُواْ یَفۡسَحِ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَإِذَا قِیلَ ٱنشُزُواْ فَٱنشُزُواْ یَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِینَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَـٰتࣲۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣱ﴾.
المسألة الرابعة: في أدب مُناجاة الرسول ؛ حيث كان الصحابة يُحبُّون الجلوس معه والحديث معه، والتعلُّم منه في كلِّ وقتٍ، وكان ذلك يُثقِل على رسول الله ، فاقتَضَى تنبيهُهم بتشريعٍ جزئيٍّ يُناسب المقام ﴿یَــٰۤـأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا نَـٰجَیۡتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَیۡنَ یَدَیۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَةࣰۚ ذَ ٰ⁠لِكَ خَیۡرࣱ لَّكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمٌ﴾، فلما أدرك الصحابة  مغزَى هذا التشريع وتوقّفوا عنده، خفَّفَ الله عنهم تكلفة الصدقة ﴿ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُواْ بَیۡنَ یَدَیۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَـٰتࣲۚ فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَیۡكُمۡ فَأَقِیمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِیعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَٱللَّهُ خَبِیرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾.
تجدرُ الإشارة هنا أنّه في وسط هذه المسائل، جاء التحذيرُ من الذين يحادُّون اللهَ ورسولَه، ويعملون بخلاف هذا الهَدي، فالله رقيبٌ عليهم، وهو يُحصِي عليهم أعمالهم، وسيَجزي كلّ عاملٍ بما عمل ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یُحَاۤدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۤ أُوْلَــٰۤىِٕكَ فِی ٱلۡأَذَلِّینَ﴾.


﴿قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِی تُجَـٰدِلُكَ فِی زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِیۤ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ یَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَاۤۚ﴾ هي خَوْلَةُ بنت ثعلبة، ظاهَرَ منها زوجُها أَوسُ بن الصامت ، ثم ندِمَ، فجاءَت تستَفتِي رسولَ الله ، وفيه: جواز المجادلة والمحاورة بين الرجل والمرأة الأجنبية، وأنَّ صوت المرأة بذاته ليس بعورة.
﴿ٱلَّذِینَ یُظَـٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَاۤىِٕهِم﴾ يُظاهرون مِن ظَاهَرَ إذا قال لامرأته: أنتِ علَيَّ كظَهر أُمِّي.
﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَـٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّـٰۤـِٔی وَلَدۡنَهُمۡۚ﴾ أي: ليس نساؤهم أُمَّهات لهم، إنّما أُمَّهاتهم اللائي ولَدْنَهم، بمعنى أنّ هذا كذِب؛ ولذلك قال بعدها: ﴿وَإِنَّهُمۡ لَیَقُولُونَ مُنكَرࣰا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورࣰاۚ﴾.
﴿ثُمَّ یَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ أي: يندَمُون على قولهم، ويرجعون إليه يُريدون إبطاله.
﴿فَتَحۡرِیرُ رَقَبَةࣲ﴾ هذه هي كفارة المُظاهِر إذا أرادَ العودةَ إلى زوجته، وتظهر فيها رغبة الإسلام بتحرير العبيد؛ إذ لا مُناسبةَ بين الظِّهار وبين هذه الكفَّارة سِوَى ذلك.
﴿مِّن قَبۡلِ أَن یَتَمَاۤسَّاۚ﴾ أي: عليه تحرير الرقبة قبل أن يقَع بينهما جِماع.
﴿ذَ ٰ⁠لِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ﴾ أي: هذه الكفارة من شأنِها أن تعِظَكم وتزجُرَكم عن الظِّهار الذي هو منكرٌ وزورٌ.
﴿فَمَن لَّمۡ یَجِدۡ فَصِیَامُ شَهۡرَیۡنِ مُتَتَابِعَیۡنِ مِن قَبۡلِ أَن یَتَمَاۤسَّاۖ﴾ ويلزم من هذا: امتِناعُه عنها شهرين كاملَين إضافةً إلى الأيَّام التي كانت قبل أن يبدأ بالصيام، ولا يحتسب فيها صوم رمضان؛ لأنّ صوم رمضان فرضٌ مُستقلٌّ بنفسه.
﴿فَمَن لَّمۡ یَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّینَ مِسۡكِینࣰاۚ﴾ فيه حِرصُ الإسلام على التكافُل، والتخفيف من مُعاناة الفقراء والمساكين، ويلحظُ هنا أنّه لم يُحرِّم مُعاشَرَتها قبل الإطعام كما حرَّمَها في العتق والصيام، وهذا هو الأظهر، والله أعلم.
﴿ذَ ٰ⁠لِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ﴾ الإيمان الذي يُنتج الامتثال لحكم الله تعالى، وفيه تأكيد صلة الإيمان بالعمل، وأنّ قبول حكم الله داخلٌ في مُسمَّى الإيمان.
﴿وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱلـلَّـهِۗ﴾ أحكامه تعالى البيّنة القاطعة.
﴿وَلِلۡكَـٰفِرِینَ عَذَابٌ أَلِیمٌ﴾ دليلٌ على أنّ الرافض لأحكام الله القاطعة خارجٌ من مُسمَّى الإيمان داخلٌ في مُسمَّى الكفر، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمۡ یَحۡكُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَــٰۤـىِٕكَ هُمُ ٱلۡكَـٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44].
وهذا الحكم يخصُّ المُنكِر الرافِضَ لحكم الله، بخلاف المُقِرّ الذي تغلِبُه شهوته وهو مُعترفٌ بذنبه وتقصيره، فهذا يقال له: عاصٍ، ولا يقال له: كافر، والله أعلم.
﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یُحَاۤدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ أي: يُحاربون الله ورسوله ويعادونهما، ويرفضون الامتثال لأمرهما.
﴿كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ﴾ الكبتُ الخزي والإذلال، أي: سيُصيبهم ما أصابَ الذين مِن قبلهم من العذاب الذي فيه خِزيُهم وإذلالُهم.
﴿یَوۡمَ یَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِیعࣰا فَیُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْۚ﴾ ليخزيهم ويُقيمُ الحجة عليهم.
﴿أَحۡصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُۚ﴾ أحصى الله عليهم كلَّ أعمالهم بعلمه سبحانه الشامل، وبما تُدوِّنُه الملائكةُ عنهم.
﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ شَهِیدٌ﴾ أي: شاهدٌ فلا يغِيبُ عنه شيءٌ.
﴿مَا یَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ﴾ أي: لا يتناجَى ثلاثةُ نفَرٍ فيما بينهم إلَّا كان اللهُ شاهدًا عليهم.
﴿وَلَاۤ أَدۡنَىٰ مِن ذَ ٰ⁠لِكَ وَلَاۤ أَكۡثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمۡ﴾ أي: قلُّوا عن الثلاثة أو زادوا إلى أي عددٍ فالله معهم بعلمه، ولا تفوته منهم همسةٌ، ولا لمزةٌ، ولا كلمةٌ، وقد جاء في صدر السورة ما يؤكِّد هذا؛ إذ سمِعَ الله حوارَ خَوْلَة  مع رسول الله ومجادلتها له، وأنزل في ذلك تشريعًا.
﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجۡوَىٰ﴾ وهي التناجي المُثير للفتنة والبلبلة، والمفرِّق للصفِّ.
﴿ثُمَّ یَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ﴾ أي: مُصرِّين عليه، وهؤلاء هم المنافقون الذين يتناجَون فيما بينهم، ويتناجَون مع اليهود لإيذاء المسلمين والكيد بهم ﴿وَیَتَنَـٰجَوۡنَ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَ ٰ⁠نِ وَمَعۡصِیَتِ ٱلرَّسُولِ ۖ﴾.
﴿وَإِذَا جَاۤءُوكَ حَیَّوۡكَ بِمَا لَمۡ یُحَیِّكَ بِهِ ٱللَّهُ﴾ أي: يسلِّمون عليك سلامًا لم يسلِّم عليك الله به، والظاهر أنّ سلامَهم هذا يحملُ المعاني السيئة، ورُبَّما قلَّدوا في هذا اليهود الذين كانوا يقولون: السام عليك يا محمد، والسام هو: الموت، وسياق الآيات عن المنافقين وليس عن اليهود.
﴿وَیَقُولُونَ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ لَوۡلَا یُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُۚ﴾ أي: يقول بعضهم لبعض: لو كان محمدٌ نبيًّا حقًّا لعذّبَنا الله بما نقوله فيه من سبٍّ وشتمٍ وما نُخفِيه في لَحن القول.
﴿یَــٰۤـأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا تَنَـٰجَیۡتُمۡ فَلَا تَتَنَـٰجَوۡاْ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَ ٰ⁠نِ وَمَعۡصِیَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَـٰجَوۡاْ بِٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِیۤ إِلَیۡهِ تُحۡشَرُونَ﴾ هذا توجيهٌ للمؤمنين، وفيه تفريقٌ بين النجوى المُحرَّمة والنجوى المشروعة.
﴿إِنَّمَا ٱلنَّجۡوَىٰ مِنَ ٱلشَّیۡطَـٰنِ﴾ أي: النجوى المُحرَّمة.
﴿لِیَحۡزُنَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ﴾ بمعنى أنّ المنافقين يتناجَون بهذه النجوى المُحرَّمة؛ لإدخال الغمِّ والحزن في قلوب المؤمنين بما يُثيرونه من فتنٍ وإشاعاتٍ، وشكوكٍ وسوء ظنٍّ.
﴿وَلَیۡسَ بِضَاۤرِّهِمۡ شَیۡـًٔا إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡیَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ إشارةٌ إلى أهميّة التوكل على الله لتحصين المجتمع المسلم من مخاطر هذه النجوى وآثارها؛ فالمجتمع المتوكِّل على الله لا تضرُّه هذه النجوى بشيءٍ، وقوله: ﴿إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ﴾ استِثناءٌ قَدَريٌّ على وفق سُنَنه تعالى، فإذا قصَّرَ المُسلِمون بوَعيِهم وتماسُكهم وحماية أنفسهم، فقد تعرَّضُوا للضرَر والخطَر.
﴿إِذَا قِیلَ لَكُمۡ تَفَسَّحُواْ فِی ٱلۡمَجَـٰلِسِ فَٱفۡسَحُواْ﴾ أي: توسَّعوا للقادم الذي لا يجِد مكانًا، فهذا من إكرام القادم، وهو من الأخلاق الاجتماعيَّة التي تُحبِّبُ المجتمع بعضه إلى بعض، ويتأكَّدُ هذا الأدب إذا كان القادم من أهل العِلم والفضل، وكذلك من يكون له شأنٌ مع صاحب المجلس، أو كان ممن له شأنٌ في الشورى ونحوها إذا كان المجلس عُقِدَ لأمرٍ مُعيَّنٍ، فهذا ينبغي أن يُوسَّعَ له في المكان المناسب، والله أعلم.
﴿یَفۡسَحِ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ﴾ ترغيبٌ لمن يهتَدِي إلى هذا الأدب أن يكون مقبُولًا عند الله، موسَّعًا له في الخير، ويُفسَح له في الجنَّة، ويُفسَح له قبل ذلك في المحشر حيث الضيق والزحام الشديد.
﴿وَإِذَا قِیلَ ٱنشُزُواْ فَٱنشُزُواْ﴾ إذا قيل لكم: انهضوا لقادمٍ، أو لانتهاء المجلس لأي طارئٍ كحضور الصلاة مثلًا، أو لشغل صاحب المجلس، فهذا كلُّه ينبغي أن يُراعَى، ولا ينبغي لأحدٍ - لا صاحب المجلس ولا أحدٍ من الجالسين - أن يشعر بالحرج، فالتبسُّط هنا وحُسن الظنِّ ورفع التكلُّف من شأنه أن يُديم المحبّة، ويُديم التواصل والتعاون.
﴿یَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِینَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَـٰتࣲۚ﴾ يرفع الله مقام المؤمنين الذين يفقَهون هذه الآداب، ويمتَثِلُونها في سلوكهم، وفيه إشارةٌ إلى تقديم هؤلاء المعروفين بالفقه والطاعة والأدب.
﴿یَــٰۤـأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا نَـٰجَیۡتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَیۡنَ یَدَیۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَةࣰۚ ذَ ٰ⁠لِكَ خَیۡرࣱ لَّكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ﴾ هذا تأديبٌ من الله لذلك الجِيل المؤمن، وتعليم لهم في أدقِّ الأمور؛ فتقديم الصدقة قبل الدخول إلى بيت الرسول مُشعِرٌ بضرورة مراعاة مكانة هذا البيت واحتِرام خصوصيَّته، وتقدير أنّه لو كان كلّ مسلمٍ يحبُّ أن يجلس إلى رسولِ الله يأتي ويطرُق الباب، لتحوَّل بيتُه إلى ما يُشبه المجلس المفتوح، من هنا جاء هذا التنبيهُ التربوي الدقيق.
﴿فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمٌ﴾ هذه رخصةٌ لمَن لا يجِد ما يتصدَّقُ به.
﴿ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُواْ بَیۡنَ یَدَیۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَـٰتࣲۚ﴾ هذا الخطابُ لفئةٍ من المؤمنين كانوا يُكثِرون من التردُّدِ على رسول الله ، فلما نزَلَت آيةُ الصدقة أحجَمُوا؛ إذ ستكثُر عليهم لكثرة تردُّدهم، فكان هذا التنبيهُ كافِيًا لهم، والله أعلم.
﴿فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَیۡكُمۡ فَأَقِیمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ فرفَعَ الله هذا الحُكمَ، وأبقَى عليهم الزكاةَ؛ حيث أدَّى هذا التشريعُ غرَضَه فيهم، والله أعلم.