سورة الحشر تفسير مجالس النور الآية 1

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ ﴿١﴾

تفسير مجالس النور سورة الحشر

المجلس الثاني والخمسون بعد المائتين: وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله


الآية (1- 17)


نزلت سورة الحشر في بني النضير، وهم إحدى قبائل اليهود التي استوطَنَت المدينة قبل البعثة المحمّديَّة، وكان بينها وبين المسلمين عهدٌ وميثاقٌ مُدوَّنٌ ومكتوبٌ؛ يأمَنون فيه على وجودهم وأرضهم وديارهم وحقوقهم المدنيَّة كاملة مُقابل التِزامهم بدستور المدينة، والحفاظ على أمنها واستقرارها، لكنّهم نكَثوا العهد وغدَروا، وحاولوا قتله ﷺ، فكانت هذه المواجهة، والتي انتَهَت بجلائهم دون قتالٍ، وقد خُصِّصت هذه السورة لبيان تلك المواجهة وآثارها وما اتصل بها من أحكامٍ ومسائل، وكما يأتي:
أولًا: استهَلَّت السورة بتسبيح الله وتمجيده، وأنّه سبحانه مالِك المُلك بيده مقاليد السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ﴾.
ثانيًا: صوَّرَت السورةُ حالةَ إجلاء بني النضير من دِيارهم بعد خُضُوعهم لحكم المسلمين فيهم، وكيف أنّهم كانوا يتمنَّعون بحصونهم، لكنّها لم تُغنِ عنهم من الله شيئًا، فأخذوا بتخريب بيوتهم وما لا يقدِرُون على حمله من مُمتلكاتهم؛ لئلَّا تكون غنيمة للمسلمين ﴿هُوَ ٱلَّذِیۤ أَخۡرَجَ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ مِن دِیَـٰرِهِمۡ لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِۚ مَا ظَنَنتُمۡ أَن یَخۡرُجُواْۖ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنۡ حَیۡثُ لَمۡ یَحۡتَسِبُواْۖ وَقَذَفَ فِی قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ یُخۡرِبُونَ بُیُوتَهُم بِأَیۡدِیهِمۡ وَأَیۡدِی ٱلۡمُؤۡمِنِینَ فَٱعۡتَبِرُواْ یَـٰۤأُوْلِی ٱلۡأَبۡصَـٰرِ﴾.
ثالثًا: بيَّنَت السورة أنّهم بهذا الجلاء قد حمَوا أنفسهم من القتل الذي كانوا يستحِقُّونه على غدرهم ونكث عهودهم ﴿وَلَوۡلَاۤ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِمُ ٱلۡجَلَاۤءَ لَعَذَّبَهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَاۖ وَلَهُمۡ فِی ٱلۡأَخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ﴿٣﴾ ذَ ٰ⁠لِكَ بِأَنَّهُمۡ شَاۤقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۖ وَمَن یُشَاۤقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِیدُ ٱلۡعِقَابِ﴾.
رابعًا: بيَّنَت السورة حُكمًا جزئيًّا من أحكام الحرب؛ حيث عمَدَ بعض الصحابة إلى قطع نخلاتٍ من نخيل بني النضير قبل استِسلامهم، وقد عابَ اليهودُ على المسلمين ذلك، ورُبَّما تحرَّج بعض المسلمين أيضًا، فنزل هذا البيان من الله تعالى: ﴿مَا قَطَعۡتُم مِّن لِّینَةٍ أَوۡ تَرَكۡتُمُوهَا قَاۤىِٕمَةً عَلَىٰۤ أُصُولِهَا فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِیُخۡزِیَ ٱلۡفَـٰسِقِینَ﴾.
والمقصود: أن قطع الشجر أو تركه متروكٌ إلى تقدير الجيش ومدى حاجته إلى ذلك؛ فإن كان فيه تسهيلٌ لحركته وتقليلٌ من خسائره فله ذلك، وإلَّا فالمحافظة على المال أصلٌ من أصول الشرع، ومقصدٌ من مقاصده، لكن هذا المال ليس بأعزّ من دماء الجند، والله أعلم.
خامسًا: تناوَلَت السورة حكمَ أموال بني النضير بعد أن ترَكوها للمسلمين من دون قتالٍ ﴿وَمَاۤ أَفَاۤءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ فَمَاۤ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَیۡهِ مِنۡ خَیۡلࣲ وَلَا رِكَابࣲ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ یُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن یَشَاۤءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ﴾.
ثم قرَّرَت حكم الله في هذا المال وفي كلِّ مالٍ يحصُل عليه المسلمون من أعدائهم بغير قتالٍ ﴿مَّاۤ أَفَاۤءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَـٰمَىٰ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِ﴾ بمعنى أنّه لا يقسَّم بين المقاتِلِين، بل يذهب للدولة، والدولة تصرفه في هذه المصارف، وقد كان رسول الله ﷺ يصرفه في ذلك بعد أن يأخذ منه كفايته هو وأهل بيته بما خصَّه الله وقدَّرَه له، ثم جاء تعليل هذا الحكم وبيان الحكمة منه: ﴿كَیۡ لَا یَكُونَ دُولَةَۢ بَیۡنَ ٱلۡأَغۡنِیَاۤءِ مِنكُمۡۚ﴾ بمعنى أنّ رجوعه للدولة وصرفه في هذه الأصناف يُحقِّق قدرًا من المساواة والتكافل، ولا يُبقِي المال حكرًا بيد الأغنياء والأقوياء.
والإشارة هنا إلى المقاتلة؛ لأنّهم قد يرَون أنّهم أَولَى بهذا الفَيءِ من غيرهم؛ لأنّه كان بسببهم وإن لم يحصل القتال الفعلي، ومن ثمّ نبَّهَ القرآن إلى هذا الهاجِسِ من خلال هذه القاعدة الكليَّة الكبيرة ﴿وَمَاۤ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ﴾.
سادسًا: في هذا السياق جاء التذكير بالمهاجرين الذين أخرَجَتْهم قريش من أرضهم، وسلَبَت منهم أموالهم فأصبحوا فقراء، ثم إنّ هؤلاء المهاجرين هم الذين نصَرُوا الله ورسوله، وسبقوا إلى التمكين لهذا الدين بما قدّموه وما بذَلُوه ﴿لِلۡفُقَرَاۤءِ ٱلۡمُهَـٰجِرِینَ ٱلَّذِینَ أُخۡرِجُواْ مِن دِیَـٰرِهِمۡ وَأَمۡوَ ٰ⁠لِهِمۡ یَبۡتَغُونَ فَضۡلࣰا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَ ٰ⁠نࣰا وَیَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۤۚ أُوْلَــٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ﴾.
ومناسبة التذكير بالمهاجرين هنا: أنّهم داخلون في مصارف هذا الفيء؛ لفقرهم الناتج عن تضحيتهم بأموالهم، وكلّ ما يملكونه أثناء الهجرة، ولما قدَّمُوه ولاقَوه على طريق الجهاد والدعوة.
سابعًا: بعد ذكر المهاجرين وبيان فضلهم وحقّهم، جاء التذكير بالدور الكبير لأهل الدار الذين آوَوا ونصَروا وفتَحوا بيوتهم وقلوبَهم للمهاجرين ﴿وَٱلَّذِینَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِیمَـٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ یُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَیۡهِمۡ وَلَا یَجِدُونَ فِی صُدُورِهِمۡ حَاجَةࣰ مِّمَّاۤ أُوتُواْ وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ وَمَن یُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَــٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾، وليس في الآية ما يُشير إلى أنّ لهم الحقّ بهذا الفيء، إلَّا مَن كان منهم فقيرًا، أو مسكينًا، أو عابر سبيل، والله أعلم.
ثامنًا: بعد ذِكر هؤلاء الصفوة لم تُغفِل السورةُ الناسَ الذين التَحَقوا بهذا الرَّكب مِن ذلك الجِيل إلى آخرِ مُؤمنٍ أو مُؤمنةٍ على هذه الأرض ﴿وَٱلَّذِینَ جَاۤءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ یَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَ ٰ⁠نِنَا ٱلَّذِینَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِیمَـٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِی قُلُوبِنَا غِلࣰّا لِّلَّذِینَ ءَامَنُواْ رَبَّنَاۤ إِنَّكَ رَءُوفࣱ رَّحِیمٌ﴾.
وهذا الربطُ بين أوَّل الأُمَّة وآخرها له مغزًى كبيرٌ في صياغة هويَّة الأُمّة ووحدتها وانتمائها، وواضحٌ أيضًا أنّ السياق خرج عن موضوع الفيء وتقسيم الأموال إلى الأفق الأوسع، وهذه طريقة قرآنيَّة في ربط الجزئيَّات بكليَّاتها، وربط الأحكام الدقيقة بالأصول الكبيرة، والله أعلم.
تاسعًا: بعد ذِكر هذه الوشائج والروابط الإيمانيَّة التي تجمَعُ المسلمين مهاجرين وأنصارًا وكلّ من اتبعهم إلى يوم الدين، التَفَتَت السورة إلى الجهة المقابلة؛ حيث ذلك التحالف الآثم الكاذب بين المنافقين وبين بني النضير وغيرهم من اليهود ﴿۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ نَافَقُواْ یَقُولُونَ لِإِخۡوَ ٰ⁠نِهِمُ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ لَىِٕنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِیعُ فِیكُمۡ أَحَدًا أَبَدࣰا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ یَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَـٰذِبُونَ﴾.
عاشرًا: بيَّنَت السورة وَهنَ ذلك التحالُف، وعَجْز اليهود عن مواجهة المسلمين ﴿لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةࣰ فِی صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَ ٰ⁠لِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمࣱ لَّا یَفۡقَهُونَ﴾
حادي عشر: ربطت السورة بين ما أصاب بني النضير وما أصاب إخوانهم من قبلهم بني قينقاع؛ حيث أجلاهم النبيُّ ﷺ بسبب غَدرِهم أيضًا ونقضهم للعهد ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَرِیبࣰاۖ ذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ﴾.
ثاني عشر: شبَّهَت السورة حالَ المنافقين مع بني النضير بعد أن تخلَّوا عنهم ساعةَ المواجهة وتركوهم للجلاء بحال الشيطان الذي يُغرِي الإنسانَ بالكفر، ثُمَّ يتخلى عنه يوم الحساب ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّیۡطَـٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَـٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّی بَرِیۤءࣱ مِّنكَ إِنِّیۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ ﴿١٦﴾ فَكَانَ عَـٰقِبَتَهُمَاۤ أَنَّهُمَا فِی ٱلنَّارِ خَـٰلِدَیۡنِ فِیهَاۚ وَذَ ٰ⁠لِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّـٰلِمِینَ﴾.


﴿هُوَ ٱلَّذِیۤ أَخۡرَجَ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ مِن دِیَـٰرِهِمۡ﴾ نزَلَت في بني النضير بعد أن غدروا بالمسلمين، وخانوا عهدهم، فحاصَرَهم المسلمون، وأنزَلوهم على حُكم رسول الله ﷺ فأمرهم بالجلاء.
﴿لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِۚ﴾ أي: في أوّل جلاءٍ لهم، وسمَّى الجلاء حشرًا؛ لأنّه كان عامًّا في كلِّ بني النضير، فحُشِرُوا جميعًا ثم أُجلُوا.
﴿مَا ظَنَنتُمۡ أَن یَخۡرُجُواْۖ﴾ لأنّ المسلمين رُبَّما كانوا يظنُّون أنّهم سيتمسَّكون بأرضهم وسيُقاتِلون عنها.
﴿وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: مِن عقاب الله لهم بأيدي المسلمين.
﴿فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنۡ حَیۡثُ لَمۡ یَحۡتَسِبُواْۖ﴾ أي: فأتاهم الله بعذابه من الجهة التي لم يظنُّوا أنَّ العذاب آتيهم منها.
﴿وَقَذَفَ فِی قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ﴾ هذا تفسيرٌ لما قبله، أي: أنّ العذاب الذي أصابَهم دخل عليهم من قلوبهم، وهذه هي التي تُسمَّى اليوم بالهزيمة النفسية التي تجعَلُ صاحب العُدَّة والعَتَاد ينهارُ أمام عدوِّه مع ما عنده من عُدَّةٍ وعتادٍ.
﴿یُخۡرِبُونَ بُیُوتَهُم بِأَیۡدِیهِمۡ﴾ حتى لا تكون غنيمةً للمسلمين.
﴿وَأَیۡدِی ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ وهذا كان قبل استِسلامهم؛ لأنّ تخريبَ البيوت من قبل المؤمنين بعد أن ورِثُوها لا داعِيَ له.
وفيه إشارةٌ أنّهم لم يستسلِمُوا إلّا بعد أن شعروا بالخطر يحدق بهم ويقترب منهم، ولم يكن هذا إلّا بهَدمِ بعض المنازل المُتطرِّفة، وقطع النخيل التي تحُولُ دون تقدُّم المسلمين إليهم، والله أعلم.
﴿فَٱعۡتَبِرُواْ یَـٰۤأُوْلِی ٱلۡأَبۡصَـٰرِ﴾ أي: اتَّعِظوا يا أهل العقول، والخطاب - وإن كان عامًّا - إلّا أنّ الإشارة لمن بقِيَ من اليهود في المدينة - وهم بنو قريظة - واضحة ولا تخفى.
﴿وَلَوۡلَاۤ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِمُ ٱلۡجَلَاۤءَ لَعَذَّبَهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَاۖ﴾ أي: لسلَّط عليهم سيوف المؤمنين.
﴿ذَ ٰ⁠لِكَ بِأَنَّهُمۡ شَاۤقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۖ﴾ أي: ذلك الذي أصابهم كان لأنّهم خالفوا الله ورسوله وناصبوهما العداء.
﴿مَا قَطَعۡتُم مِّن لِّینَةٍ﴾ ما قطعتم من نخلةٍ.
﴿أَوۡ تَرَكۡتُمُوهَا قَاۤىِٕمَةً عَلَىٰۤ أُصُولِهَا﴾ فيه تحسينٌ لصورة النخل الذي يبقى على أصوله، إشارة إلى تجنُّب قطعه من غير ضرورةٍ.
﴿وَمَاۤ أَفَاۤءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ﴾ أي: وما منحه الله لرسوله من أموالهم، وأصل الفيء: الرَّدّ، بمعنى أنّ الله ردَّ أموال بني النضير إلى رسوله ﷺ.
﴿فَمَاۤ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَیۡهِ مِنۡ خَیۡلࣲ وَلَا رِكَابࣲ﴾ أي: فما حرَّكتم عليه خيولكم، بمعنى أنّه جاء باستسلام من العدو، وليس بسبب قتالكم له.
﴿مَّاۤ أَفَاۤءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ﴾ النضير وغيرها؛ كخيبر وفدك، بمعنى أنّه حُكمٌ عام في الفيء، وليس خاصًّا بالنضير.
﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَـٰمَىٰ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِ﴾ بمعنى أنّ الفيء لا يُخمَّس كما تُخمَّس الغنائم، فليس للجُند في الفيء نصيبٌ؛ لأنّه جاء من غير قتالٍ، وذو القربى هم قرابته ﷺ؛ لأنّهم حُرِموا من الصدقة، فكان هذا تعويضًا لهم، وابن السبيل: المسافر الذي يحتاج أن يبلغ محلّه لنفاد ما عنده من مالٍ ولو لم يكن فقيرًا في الأصل.
تجدُرُ الإشارة هنا إلى أنّ مسائل الغنائم والفيء ومصارفهما محل اجتهادٍ وخلافٍ طويلٍ بين الفقهاء، فليرجع إلى مظانِّه من أراد التوسُّع.
﴿كَیۡ لَا یَكُونَ دُولَةَۢ بَیۡنَ ٱلۡأَغۡنِیَاۤءِ مِنكُمۡۚ﴾ الدُّوَلة من التداوُل، بمعنى أنّ هذا المال ينبغي أن يكون مُتداوَلًا في المجتمع لحل مشاكله الماليَّة؛ كالفقر ونحوه، لا أن يكون مُتداوَلًا بين الأغنياء فقط؛ لأن الفَيءَ أكبر بكثيرٍ من حاجة الجُند، فلو قسّمت البلاد المفتوحة على الجند لاحتكرت ثروة الأُمَّة عندهم.
ومِن ثَمَّ رفض عمر بن الخطاب  تقسيمَ العراق كما تُقسَّم الغنائم، ومن هنا كان لا بُدَّ من وجود ضابطٍ كلّيٍّ وموجِّهٍ عامٍّ للدولة المسلمة في تعامُلها مع هذه المسائل، فجاء هذا التعليل مُنبِّهًا إلى هذا الضابط أو الموجِّه؛ فهناك فرقٌ بين مال الدولة الذي ينبغي أن تسدّ به حاجة مؤسساتها وأفرادها، وتعالج به مشاكلها، وتسدّ به نقصها، وبين المال الذي يُعطى للمقاتِل مكافأةً وتشجيعًا له، وهذا الضابط يتجاوز مسألة الفيء إلى كلّ ما يقَع تحت سلطان الدولة، حتى الغنائم التي تزيد عن المألوف في مُسمَّى الغنائم، وهذا يستدعي اجتهادًا واسعًا أكبر ممّا يَتحمَّله هذا المختصر، والله أعلم.
﴿وَمَاۤ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ﴾ نزلت تذييلًا على ما شرَّعَه الله في الفيء، لكنّها أوسع من ذلك؛ لأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالرضا بكلِّ ما يقوله الرسول ﷺ وبكلِّ ما يقسم به، أمرًا أو نهيًا، عطاءً أو منعًا هو أصلٌ من أصول الإسلام، وهو الفيصلُ العمليُّ الحقُّ بين الإيمان والنفاق.
﴿ٱلَّذِینَ أُخۡرِجُواْ مِن دِیَـٰرِهِمۡ وَأَمۡوَ ٰ⁠لِهِمۡ﴾ تعليلٌ لدخول المهاجرين في مصارف الفيء، وبيان لسبقهم وفضلهم رضي الله عنهم وأرضاهم.
﴿وَٱلَّذِینَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِیمَـٰنَ﴾ أي: استوطنوا المدينة واتخذوها سكنًا لهم، وعطْف الإيمان على الدار قُصِد به: ثباتهم على الإيمان وتمسّكهم به، كما ثبتوا في أرضهم واستقرُّوا بها.
وقرن الدار بالإيمان في تنويهٍ عظيمٍ على مكانة المدينة عند الله والتي شرَّفَها الله بخاتم الرسل ﷺ، وتنويه أيضًا بمكانة أهل الدار عند الله؛ وهم الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم.
﴿یُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَیۡهِمۡ﴾ هذه ميزةٌ عظيمةٌ للأنصار، وهي أنّهم لم يُقدِّموا ما عندهم للمهاجرين من باب الصدقة وتخفيف المعاناة، وما يُسمَّى اليوم بالتكافل الاجتماعي، بل ارتَقَوا في معارِجِ الكمال الروحي والأخلاقي فوق ذلك بكثيرٍ، فكانت قلوبهم تعمر بمحبَّة المهاجرين إلى مستوى أنّهم كانوا يُؤثِرونهم على أنفسهم، بمعنى أنّ الأنصاري كان يرَى أن يكون ماله عند المهاجر خيرًا له من بقائه عنده رغم حاجته الشديدة إليه، كما سيأتي.
﴿وَلَا یَجِدُونَ فِی صُدُورِهِمۡ حَاجَةࣰ مِّمَّاۤ أُوتُواْ﴾ أي: لا يجِد الأنصار حزازةً في قلوبهم على إخوانهم المهاجرين أن خصَّهم الله دونَهم في هذا الفَيء.
﴿وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ﴾ أي: يُقدِّمون المهاجرين على أنفسهم ولو كانت بهم حاجة شديدة لهذا المال.
﴿وَمَن یُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَــٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ أي: ومَن يُسلِّمه الله مِن داء الشحِّ وهو البخل فهو من الناجِحين الفائزين.
﴿وَٱلَّذِینَ جَاۤءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ یَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَ ٰ⁠نِنَا ٱلَّذِینَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِیمَـٰنِ﴾ هؤلاء المؤمنون إلى قيام الساعة، يُخبِر القرآن أنّهم يستغفرون للمهاجرين والأنصار، وهو إخبارٌ فيه معنى الأمر والتوجيه، والمؤمن مدفوعٌ بفطرته لهذا الوفاء؛ إذ كانوا  السبب في وصول الإسلام إلى كافَّة الأصقاع إضافة إلى هذا التوجيه القرآني، ومِن ثَمَّ كان الذي يسبُّ الصحابة ويتبرّأُ منهم خارجًا عن معاني الفطرة السليمة، ومخالفًا لصريح القرآن، وقطعًا أنّه لن يجِد نفسه في المهاجرين، ولا في الأنصار، ولا في التابعين لهم، وهذه هي أصنافُ المؤمنين التي اعتَمَدَها القرآن في هذا السياق.
﴿وَلَا تَجۡعَلۡ فِی قُلُوبِنَا غِلࣰّا﴾ أي: غِشًّا وحِقدًا.
﴿۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ نَافَقُواْ یَقُولُونَ لِإِخۡوَ ٰ⁠نِهِمُ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ لَىِٕنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِیعُ فِیكُمۡ أَحَدًا أَبَدࣰا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ یَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَـٰذِبُونَ﴾ مقارنة ضمنيّة بين واقع المجتمع المؤمن من المهاجرين والأنصار والتابعين؛ حيث المُودَّة والإيثار والاستغفار، وبين هذا المجتمع البغيض الذي تسُوده الأثرة والمصالح الشخصية والتغرير بالباطل؛ فالمنافقون كانوا يعِدون اليهود بأن يكونوا معهم إذا أُخرِجوا وإذا قوتِلوا، بمعنى أنّهم معهم على كلِّ الاحتمالات، لكنهم كذَبوا عليهم، فلم ينصروهم، ولم يخرجوا معهم ﴿لَىِٕنۡ أُخۡرِجُواْ لَا یَخۡرُجُونَ مَعَهُمۡ وَلَىِٕن قُوتِلُواْ لَا یَنصُرُونَهُمۡ وَلَىِٕن نَّصَرُوهُمۡ لَیُوَلُّنَّ ٱلۡأَدۡبَـٰرَ ثُمَّ لَا یُنصَرُونَ﴾.
﴿لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةࣰ فِی صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَ ٰ⁠لِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمࣱ لَّا یَفۡقَهُونَ﴾ تعليلٌ لتخلُّف المُنافقين عن مُناصَرَة حُلفائِهم اليهود أنّهم يخشَون المسلمين أكثر من خشيَتهم لله؛ وما ذاك إلا لكفرِهم بالله وجهلِهم بمقامه العظيم تبارك وتعالى.
﴿لَا یُقَـٰتِلُونَكُمۡ جَمِیعًا إِلَّا فِی قُرࣰى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَاۤءِ جُدُرِۭۚ﴾ بعد بيان حال المنافقين، شَرَعَ في بيان الطرف الثاني من هذا الحِلف، وهم اليهود، فهؤلاء لا يجرؤون على مواجهة المسلمين في القتال، بل يتحصَّنون بحصونهم، ويختبِئون خلف جُدُرهم, وكلُّ قريةٍ منهم تُقاتل لوحدها؛ إذ لم يجتمع اليهود على قتال المسلمين.
﴿بَأۡسُهُم بَیۡنَهُمۡ شَدِیدࣱۚ﴾ تعليلٌ لعدم اجتماعهم على قتال المسلمين، بمعنى أنّهم - أي: اليهود - كانوا مُختلفين فيما بينهم، ولا يثِق بعضهم ببعض.
﴿تَحۡسَبُهُمۡ جَمِیعࣰا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ﴾ الخطاب ليس لمُعيَّنٍ، بل جارٍ مجرَى المثل، بمعنى: تحسَبُهم أيها الناظر إليهم، أما النبيُّ ﷺ فلم يكن يحسَبُهم جميعًا، بل هو أعلَمُ بحقيقتهم؛ ولذلك قاتَلَ كلَّ قبيلةٍ منهم على حِدة.
﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَرِیبࣰاۖ﴾ أي: مثلهم كمثل الذين من قبلهم، يُشبِّهُ حال بني النضير بحال من سبقهم وهم بنو قينقاع، فقد كانت لهم حصُونهم أيضًا، ثم أجلَاهم النبيُّ ﷺ كما أجلَى هؤلاء، والله أعلم.
﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ﴾ أي: ذاقوا سوء عاقبة غدرهم.
﴿فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّی بَرِیۤءࣱ مِّنكَ﴾ أي: يقول الشيطان ذلك يوم القيامة، وجاء بالفعل الماضي؛ لتأكيد تحقُّق هذه البراءة ذلك اليوم، وقد أكَّد هذا المعنى قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿فَلَا تَلُومُونِی وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمۖ مَّاۤ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَاۤ أَنتُم بِمُصۡرِخِیَّ إِنِّی كَفَرۡتُ بِمَاۤ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ﴾ [إبراهيم: 22].
﴿فَكَانَ عَـٰقِبَتَهُمَاۤ أَنَّهُمَا فِی ٱلنَّارِ خَـٰلِدَیۡنِ فِیهَاۚ﴾ أي: الغاوِي والمَغوِي، الشيطان ومن اتَّبَع الشيطان.