سورة الأنعام تفسير مجالس النور الآية 1

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ یَعۡدِلُونَ ﴿١﴾

تفسير مجالس النور سورة الأنعام

المجلس الرابع والخمسون: القرآن في مواجهة المُكذِّبين


من الآية (1- 36)


نزلت سورة الأنعام في مكة بعد أن استقرَّ موقف قريش على تكذيب الرسول ﷺ، من هنا كان الموضوع الأساس لهذه السورة وفي هذه الآيات بالذات هو بيان هذا الموقف وتحليله ومناقشته، وكما يأتي:
أولًا: تقرير الحقيقة الكبرى التي لا تستطيع قريش ولا كلُّ الناس نُكرانها ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ﴾، ﴿هُوَ ٱلَّذِی خَلَقَكُم ﴾، ﴿وَهُوَ ٱللَّهُ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَفِی ٱلۡأَرۡضِ﴾ فانبثاق هذا الكون وجريان الحياة فيه لا تدَّعِيه قريش ولا أصنامها، وهذه الحقيقة التي يؤكِّدُها القرآن ويسوقها في كلّ مواجهة مع هؤلاء المشركين، فهذه لوحدها كافية لإبطال ألوهيَّة الأرباب المزيَّفة التي يصنعها الناس بأيديهم.
ثانيًا: إن دعوة قريش وغيرهم لهذا الدين والحرص على هدايتهم أجمعين إنما هو لمصلحتهم وفائدتهم في الدنيا والآخرة، وهذا أصلٌ في علاقة الخالق العظيم بهذا الخلق ﴿قُل لِّمَن مَّا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ﴾ وما رسالة محمد ﷺ إلا لتحقيق هذه الرحمة.
ثالثًا:إن هؤلاء المكذِّبين لا يكذِّبون رسول الله ﷺ تشكيكًا بصدقه وأمانته، كيف؟ وهم الذين ينادونه الصادق الأمين، لكنَّه الرفض لدعوة الحقِّ مع وضوحها وظهور حجَّتها ﴿قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَیَحۡزُنُكَ ٱلَّذِی یَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا یُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِینَ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ یَجۡحَدُونَ﴾ وذلك لمرضٍ في نفوسهم، ولحساباتٍ أرضيَّةٍ ودنيويةٍ لا تمُتُّ بصلةٍ إلى البحث والرغبة في المعرفة.
رابعًا: إن خسارة الإنسان لنفسه وتلوُّث فطرته الآدميَّة هي التي تقُودُه إلى هذا الجُحود ﴿ٱلَّذِینَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا یُؤۡمِنُونَ﴾ فالنفس البشرية تفرق عن سائر الحيوان بعلوِّها على الشهوة الحيوانيَّة، والمقاييس الماديَّة البَحتة، بتشوُّقها للمعرفة، وتطلُّعها للعالَم الأسمى، فإذا عاش الإنسان حبيسًا في شهواته ورغباته الماديَّة انتَكَسَت فيه هذه الفطرة، ولم يعُدْ مُهتمًّا بمجالات التفكُّر والحوار والنظر في ما وراء العالم المحسوس.
خامسًا:إن هؤلاء قد عطَّلُوا منافِذَ المعرفة لديهم ﴿وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن یَفۡقَهُوهُ وَفِیۤ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرࣰاۚ ﴾، ﴿۞ إِنَّمَا یَسۡتَجِیبُ ٱلَّذِینَ یَسۡمَعُونَۘ وَٱلۡمَوۡتَىٰ یَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَیۡهِ یُرۡجَعُونَ﴾.
سادسًا: إنهم استَعَاضُوا عن البحث العلمي، والنظر الجادِّ، والحوار الهادف بالسخرية والاستهزاء ﴿فَقَدۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَاۤءَهُمۡ فَسَوۡفَ یَأۡتِیهِمۡ أَنۢبَـٰۤؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ یَسۡتَهۡزِءُونَ ﴾، ﴿وَلَوۡ جَعَلۡنَـٰهُ مَلَكࣰا لَّجَعَلۡنَـٰهُ رَجُلࣰا وَلَلَبَسۡنَا عَلَیۡهِم مَّا یَلۡبِسُونَ ﭚوَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلࣲ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِینَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ یَسۡتَهۡزِءُونَ﴾ وفي الآية دلالةٌ أن قولهم الذي حكاه القرآن عنهم: ﴿لَوۡلَاۤ أُنزِلَ عَلَیۡهِ مَلَكࣱۖ﴾ كان من قَبيل السخرية لا غير.
سابعًا: إنهم مُصِرُّون على التكذيب حسدًا وعنادًا، بغضِّ النظر عن الحجَّة والأدلة ﴿وَلَوۡ نَزَّلۡنَا عَلَیۡكَ كِتَـٰبࣰا فِی قِرۡطَاسࣲ فَلَمَسُوهُ بِأَیۡدِیهِمۡ لَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤاْ إِنۡ هَـٰذَاۤ إِلَّا سِحۡرࣱ مُّبِینࣱ ﴾، ﴿وَإِن یَرَوۡاْ كُلَّ ءَایَةࣲ لَّا یُؤۡمِنُواْ بِهَاۖ﴾.
ثامنًا:إن التكذيب منسجِمٌ مع سلوكهم الكاذب واعتيادهم الكذب على الله، وعلى أنفسهم، وعلى بعضهم البعض ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔایَـٰتِهِۦۤۚ ﴾، ﴿ٱنظُرۡ كَیۡفَ كَذَبُواْ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡۚ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ یَفۡتَرُونَ﴾.
تاسعًا: إن هذه سنَّة ماضية في كلِّ الدعوات، فالحسد والعناد والمكابرة واتباع الهوى أمراضٌ متكرِّرة في المجتمعات البشرية ﴿وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلࣱ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰۤ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ﴾.
عاشرًا: إن هؤلاء المكذِّبين الضالِّين إنما يُهلِكُون أنفسهم، ويَسعَون بشقائها وعذابها ﴿فَحَاقَ بِٱلَّذِینَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ یَسۡتَهۡزِءُونَ ﭨقُلۡ سِیرُواْ فِی ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَیۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِینَ ﴾، ﴿وَهُمۡ یَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَیَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ وَإِن یُهۡلِكُونَ إِلَّاۤ أَنفُسَهُمۡ وَمَا یَشۡعُرُونَ ﰓوَلَوۡ تَرَىٰۤ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ یَـٰلَیۡتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔایَـٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ﴾، ﴿قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِینَ كَذَّبُواْ بِلِقَاۤءِ ٱلـلَّــهِۖ﴾.
حادي عشر: إن النبي لا يملك إلا الدعوة والدعاء وبيان الحجَّة، والقيام بما كلَّفَه الله به، أما الآيات والمعجزات فهي لله وحده، وإنما تظهر على يد النبيِّ بإرادة الله وحكمته ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَیۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِیَ نَفَقࣰا فِی ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمࣰا فِی ٱلسَّمَاۤءِ فَتَأۡتِیَهُم بِـَٔایَةࣲۚ وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَـٰهِلِینَ ﴾.
ثاني عشر: إن الدعوةَ إلى الله ماضية، وإن أهل الحقِّ على طريقهم لا يضرُّهم من ضلَّ وكذَّب، وإن المفاصلة بين الفريقَين قائمة حتى يرِثَ الله الأرضَ ومن عليها ﴿وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلࣱ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰۤ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِۚ﴾، ﴿قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِیدُۢ بَیۡنِی وَبَیۡنَكُمۡۚ وَأُوحِیَ إِلَیَّ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَىِٕنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّاۤ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهࣱ وَ ٰ⁠حِدࣱ وَإِنَّنِی بَرِیۤءࣱ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ﴾.


﴿وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَۖ﴾ عدَّدَ الظلمات ووحَّد النور بإشارةٍ إلى أن طريق النور واحدة، وأن سبل الغواية كثيرة ومختلفة، بعكس النور الحسِّي فهو مُتعدِّدٌ بتعدُّد مصادره، وبعكس الظلام الحسِّي أيضًا فإن له سببًا واحدًا وهو فَقد النور.
وذِكر الظلمات والنور فيه تمهيد للحديث عن المكذِّبين الغارِقين في ظلمات الجهل والهوى بعيدًا عن نور الوحي.
﴿ثُمَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ یَعۡدِلُونَ﴾ فيه تعجُّبٌ واستنكارٌ لمن يُسوِّي مخلوقًا بخالقٍ، ومرزوقًا برازقٍ، وهذا المعنى متضمنٌ للمعنى الثاني، وهو العدول بمعنى الإعراض؛ إذ هم أعرضوا عن الله بهذا الشرك، واستعمال الباء بمعنى (عن) ليس بمُستبعَد في اللغة، والله أعلم.
﴿خَلَقَكُم مِّن طِینࣲ﴾ بخلق آدم من الطين وهو أبو البشر، وكذا فإن جسم الإنسان إنما يتغذى بالنبات المتكوِّن من الماء والتراب، ومن الحيوان المتكوِّن من الماء والنبات، فأجسادنا كلُّها من هذا الطين، والله أعلم.
﴿ثُمَّ قَضَىٰۤ أَجَلࣰاۖ وَأَجَلࣱ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ۖ﴾ الأجل المقضِي هو أجل الناس الذين توفاهم الله، والثاني آجال الناس إلى قيام الساعة، والقضاء هنا الاستيفاء بحلول الموت، وليس بتقديره؛ لأن التقدير مقترنٌ بالخلق فلا يعطف عليه بـ (ثمَّ)، والله أعلم.
﴿وَهُوَ ٱللَّهُ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَفِی ٱلۡأَرۡضِ﴾ السموات والأرض من مخلوقات الله، والمخلوق لا يحيط بالخالق ولا يحتَويه، والله مُتعالٍ عن خلقه، وله العلوُّ المطلق والكبرياء، والخلق كلُّ الخلق مُفتقر إليه، وهو الغنيُّ عمَّن سواه، ولكنَّ آيات الله وتجلِّيَات أسمائه وصفاته ظاهرةٌ في السموات والأرض وفي كلِّ خلقه ـ، وأما البحث في العلاقة المكانيَّة وعلاقة ذات الخالق بذات المخلوق فهذا بُعدٌ عن نور الوحي، وتغريرٌ بالعقل، ومجازفةٌ لا معنى لها.
﴿وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَاۤءَ عَلَیۡهِم مِّدۡرَارࣰا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَـٰرَ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهِمۡ﴾ مدرارٌ كثيرٌ وغزيرٌ، وأصله من: درَّ الضرع إذا جادَ باللبن، وعطفَ الأنهار على الأمطار إشارةً إلى أن المطر سابق، فهو مادَّة تكوين الأنهار، والله أعلم.
﴿فِی قِرۡطَاسࣲ﴾ أي: في كتابٍ كاملٍ منزَّلٍ من السماء، وليس وحيًا ثمَّ يخطُّه كتَبَة الوحي، وهذا من دعاوى المشركين وأسلوب مُحاجَجاتهم.
والآية تُخبِر أنهم لو رأَوا ذلك ولمَسُوه بأيديهم لأنكروه أيضًا؛ لأن الإنكار سببه الكبر والحسد، وليس الشك بصدق الرسول، ولا بنور الوحي الذي معه.
﴿وَلَوۡ أَنزَلۡنَا مَلَكࣰا لَّقُضِیَ ٱلۡأَمۡرُ ثُمَّ لَا یُنظَرُونَ﴾ الأقرب في هذا: أنه لو أنزل الله عليهم ملَكًا بصورته التي خُلق عليها فإنهم لن يُنظَروا بعدها، وسيمحَقهم الله فورَ إنكارهم، وهم أَولَى بالإنكار كما مرَّ في آية القرطاس، وكما في قوله الآتي في هذه السورة: ﴿۞ وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَاۤ إِلَیۡهِمُ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَیۡهِمۡ كُلَّ شَیۡءࣲ قُبُلࣰا مَّا كَانُواْ لِیُؤۡمِنُوۤاْ إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُ﴾ [الأنعام: 111]، وليس هذا الذي منع من إنزاله، فالله لا يستجيب لكلِّ اقتراحٍ أو طلبٍ للبشر، وإنما أمرُهُ يجري وفق حكمته هو سبحانه.
﴿وَلَوۡ جَعَلۡنَـٰهُ مَلَكࣰا لَّجَعَلۡنَـٰهُ رَجُلࣰا وَلَلَبَسۡنَا عَلَیۡهِم مَّا یَلۡبِسُونَ﴾ تفريعٌ على اقتراح المشركين، فالملَك الذي يقترحونه لن يُغنيهم عن اتباع النبيِّ الذي تنكَّروا له حسدًا وباطلًا، وهذا الملَك لا يكون بديلًا عن النبيِّ إلا إذا حوَّل الله صورتَه إلى صورة رجلٍ مثلهم حتى يتمكَّن من قيادتهم وتوجيههم، وهنا سيلتَبِس عليهم أمرهم كما التَبَس عليهم مع نبيِّهم، والله أعلم.
﴿ٱلَّذِینَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا یُؤۡمِنُونَ﴾ بتعطيل عقولهم ومعاني إنسانيتهم، وهبوطهم إلى الاهتمامات الجسدية والماديَّة البَحتة، فهؤلاء لم يعودوا قادرين على الوصول إلى معاني الإيمان والمعارف الجليلة التي تقودهم إليه.
﴿فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ خالِقها من العدم ليس على مثال سابق، ولا من مادة أوليَّة كما هي صناعات البشر واختراعاتهم.
﴿وَهُوَ یُطۡعِمُ وَلَا یُطۡعَمُۗ﴾ دليلٌ على غِناه سبحانه وافتقار من سواه إليه، وفيه تعريضٌ بالأصنام التي يقدِّم لها المشركون الذبائح والنذور، فكأنهم يُطعِمُونها وهي بالمقابل لا تستطيع إطعامهم.
﴿ قُلۡ إِنِّیۤ أُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَسۡلَمَۖ﴾ أي: أول من يدعو لهذا الدين ويتحمل أعباءه في مقدِّمة الداعين والعامِلين له بعد أن انقطعت النبوة لمدة من الزمن، فالأول إن كان معناه: المتقدِّم على غيره، فرسولُنا ﷺ هو الأول بإطلاق، وإن كان الأول زمانًا فهو الأول لما بعد الفترة.
﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ﴾ خطاب لكلِّ مُكلَّف وإن كانت صورتُه للنبيِّ ﷺ، وفيه معنى آخر، وهو تيئيس المشركين من محاولة ثَنْي النبيِّ عن دعوته.
﴿قُلۡ أَیُّ شَیۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَـٰدَةࣰۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِیدُۢ بَیۡنِی وَبَیۡنَكُمۡۚ ﴾ تخويفُهم بالله، وهو الأسلوب الأنسَب في مُخاطبة المعاندين والحاسدين، وهو الأسلوب الذي يستخرج معاني الفطرة الكامنة.
﴿ٱلَّذِینَ ءَاتَیۡنَـٰهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ یَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا یَعۡرِفُونَ أَبۡنَاۤءَهُمُۘ﴾ مقتضى السياق أنه يستشهد بأهل الكتاب كورقة بن نوفل وغيره من المُنصِفين، وليس المقام مقام مُحاجَجة أهل الكتاب؛ لأن السورة نزلت في مكة، وكانت المواجهة مع المشركين، وليس مع أهل الكتاب.
﴿ثُمَّ لَمۡ تَكُن فِتۡنَتُهُمۡ إِلَّاۤ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِینَ ﴾ الأقربُ أن سبب فتنتهم أنهم دلَّسُوا على أنفسهم في الدنيا، فتأوَّلوا الشرك بتأويلاتٍ زائفةٍ؛ ليُرضوا متطلبات فطرتهم الناطقة بالتوحيد، كما يفعله كثير من أئمة البدعة ورؤوس الرفض في تقديس القبور والسجود لها والطواف بها، وحجتهم دائمًا أن هذا ليس شركًا بل هو حبٌّ لعباده الصالحين!
وهذه الحجَّة نفسها سيكررونها هناك لمَّا يسألهم الله: ﴿أَیۡنَ شُرَكَاۤؤُكُمُ﴾ فيأتي القضاء العدل ﴿ٱنظُرۡ كَیۡفَ كَذَبُواْ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡۚ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ یَفۡتَرُونَ﴾.
﴿عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً﴾ أغطية تحجبها عن الحقِّ.
﴿وَفِیۤ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرࣰاۚ﴾ الصمم الذي يحول دون سماع الحقِّ.
﴿وَهُمۡ یَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَیَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ ﴾ أي: لا ينتفعون به لأنفسهم، ولا يسمحون لغيرهم بالانتفاع به، فجمَعوا بين المنكَرَين.
وفيه إشارة أن رغبَتَهم في إبعاد الآخرين أقوى من رغبتهم في النأْي عنه، ولذا قدَّم النهي على النأْي.
وقد ورَدَ أن بعض زعماء قريش كانوا ينهون عن سماع القرآن، ثم يتردَّدون هم لسماعه من بعض الصحابة؛ وهذا لمُلامَسَة نور الوحي لكوامِنِ الفطرة في داخلهم، والله أعلم.
﴿وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ ﴾ دليل أنهم لم يكن يمنعهم الجهل، وإنما الكبر والحسد.
﴿حَتَّىٰۤ إِذَا جَاۤءَتۡهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةࣰ ﴾ هي بالنسبة للكافرين بغتة من كلِّ وجه، أما المؤمنون فالبغتة نسبيَّة؛ لأنهم استعدُّوا لها بأعمالهم، وترقَّبُوها بأشراطها المعروفة في الكتاب والسنَّة، ولكنَّ تحديد يومها وساعتها يبقى من الغيب الذي لا يعلَمُه إلا الله.
﴿فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِیَ نَفَقࣰا فِی ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمࣰا فِی ٱلسَّمَاۤءِ فَتَأۡتِیَهُم بِـَٔایَةࣲۚ﴾ إشارةٌ إلى شدَّة حرصِ النبيِّ ﷺ على هداية قومه، وحُزنه على حالهم وتمسُّكهم بأصنامهم، ولكنَّ الأمر لله وحده، والآيات بيد الله وليس بيد النبي، ولا أحدٍ من الخلق.
﴿۞ إِنَّمَا یَسۡتَجِیبُ ٱلَّذِینَ یَسۡمَعُونَۘ﴾ أي: فتحوا منافِذَ المعرفة التي عندهم، وسمعوا سماع العاقل الناظر في فحوى الكلام ودلائله، وهؤلاء أقرب للإيمان، بخلاف الذين جعلوا الوَقْر في آذانهم، وهو وَقْر التكبُّر، فهؤلاء كالأموات الذين لا ينفعهم قولٌ، ولا تردُّهم موعظة.