سورة الجمعة تفسير مجالس النور الآية 1

یُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡمَلِكِ ٱلۡقُدُّوسِ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡحَكِیمِ ﴿١﴾

تفسير مجالس النور سورة الجمعة

المجلس السادس والخمسون بعد المائتين: هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم


سورة الجمعة


تتناول سورة الجمعة بعثة النبيِّ ﷺ في هذه الأُمَّة الأُميَّة التي اختارها الله بعد انحراف بني إسرائيل عن حمل الرسالة الموسويَّة، ونقضهم لميثاق ربِّهم، وقد بيَّنَت السورة ما تحتاجه هذه الأُمّة مع تنبيهٍ تربويٍّ عمليٍّ من واقع تجربتهم البشريَّة الجديدة، وكما يأتي:
أولًا: استهلَّت السورة بتسبيح الله تعالى وتمجيده لنفسه أنّه هو الملك القدوس العزيز الحكيم ﴿یُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡمَلِكِ ٱلۡقُدُّوسِ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡحَكِیمِ﴾.
ثانيًا: يمتَنُّ الله تعالى على هذه الأُمّة الأُميّة أن بعث فيهم نبيًّا منهم يتلُو عليهم آيات الله، ويُزكِّي أنفسهم، ويُعلِّمهم القرآن والحكمة بعد أن كانوا في ضلالٍ وجهلٍ لا يقرَؤُون ولا يكتُبُون ﴿هُوَ ٱلَّذِی بَعَثَ فِی ٱلۡأُمِّیِّـۧنَ رَسُولࣰا مِّنۡهُمۡ یَتۡلُواْ عَلَیۡهِمۡ ءَایَـٰتِهِۦ وَیُزَكِّیهِمۡ وَیُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینࣲ﴾.
ثالثًا: أكَّدت السورة أنّه ﷺ وإن بُعث في الأُميين، إلّا أنّ بعثته لكلِّ الناس الآخرين من شتّى الأُمم والأقوام ﴿وَءَاخَرِینَ مِنۡهُمۡ لَمَّا یَلۡحَقُواْ بِهِمۡۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ ﴿٣﴾ ذَ ٰ⁠لِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ یُؤۡتِیهِ مَن یَشَاۤءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِیمِ﴾.
رابعًا: ندَّدَت السورة ببني إسرائيل الذين شرَّفَهم الله بحمل رسالته إلى الأرض، لكنّهم نُكسوا على رؤوسهم، وتخلّوا عن هذا الشرف العظيم ﴿مَثَلُ ٱلَّذِینَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ یَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ یَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢا ۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِینَ كَذَّبُواْ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ﴾.
خامسًا: حاجَجَت هذه السورة اليهود الذين يدَّعون أنّ الميثاق لا زال معهم، وأنّهم أولياء الله وأحباؤه، بأن يتمنَّوا لقاء الله، وهذه مُحاججةٌ تدخل في عُمق نفوسهم، وتستنطق حقيقة ما يعتقدونه في وجدانهم وضمائرهم؛ فأولياء الله لا ينبغي لهم أن يفِرُّوا من لقاء الله لو كانوا مُوقِنين بذلك، فإذا عُلِم أنّ اليهود من أكثر الناس حِرصًا على الحياة والتشبُّث بها، بانَ أنّهم كاذبون فيما يدَّعون ﴿قُلۡ یَــٰۤـأَیُّهَا ٱلَّذِینَ هَادُوۤاْ إِن زَعَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ ﴿٦﴾ وَلَا یَتَمَنَّوۡنَهُۥۤ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَیۡدِیهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِیمُۢ بِٱلظَّـٰلِمِینَ ﴿٧﴾ قُلۡ إِنَّ ٱلۡمَوۡتَ ٱلَّذِی تَفِرُّونَ مِنۡهُ فَإِنَّهُۥ مُلَـٰقِیكُمۡۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلۡغَیۡبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَیُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾.
سادسًا: بيَّنَت السورة للمؤمنين حُكمًا من أحكام شريعتهم يتعلَّق بأهم شعيرة جامِعة من شعائِر عباداتهم، والتي فيها إعلان هويَّتهم، وترسيخ عقيدتهم، وتوثيق صِلَتهم بربِّهم ومع أنفسهم وإخوانهم ﴿یَــٰۤـأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا نُودِیَ لِلصَّلَوٰةِ مِن یَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَیۡعَۚ ذَ ٰ⁠لِكُمۡ خَیۡرࣱ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ﴿٩﴾ فَإِذَا قُضِیَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِیرࣰا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾.
سابعًا: وقَفَت السورة وقفة تربويَّة مع هؤلاء الأُميِّين تُعلِّمهم درسًا من دروس حياتهم العمليَّة، وهذه ميزة التربية القرآنيَّة أنّها تربية تعيش مع الناس في واقعهم وتجاربهم، وليست تربية فلسفيَّة، أو نظريَّة مُجرَّدة ﴿وَإِذَا رَأَوۡاْ تِجَـٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوۤاْ إِلَیۡهَا وَتَرَكُوكَ قَاۤىِٕمࣰاۚ قُلۡ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَیۡرࣱ مِّنَ ٱللَّهۡوِ وَمِنَ ٱلتِّجَـٰرَةِۚ وَٱللَّهُ خَیۡرُ ٱلرَّ ٰ⁠زِقِینَ﴾.


﴿یُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ يُنزِّهُه تعالى عن كلِّ صفةٍ لا تَلِيقُ به.
﴿ٱلۡمَلِكِ ٱلۡقُدُّوسِ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡحَكِیمِ﴾ أربع صفاتٍ لله تعالى مُترابطة ومُتكاملة:
فالله (الملِكُ) بمعنى أنّه سبحانه له السلطان المُطلَق على هذا الوجود، وكلُّ ملكٍ أو سلطانٍ آخر إنّما هو على سبيل التخويل والاستخلاف والاختبار.
وهو سبحانه (القدُّوس) المُنزَّه تنزيهًا تامًا عن كلِّ صفةٍ لا تليق به، واقتران هذا الاسم الشريف بالاسم الذي قبله؛ إشارةً إلى تنزُّه الله عن الصفات التي تشِين ملوك الأرض في العادة؛ من الظلم وقلَّة الاكتِراث بأحوال العباد وحاجاتهم ومصائرهم.
وهو سبحانه (العزيز) الذي له العِزَّة فلا يغلِبه أحدٌ، ولا يحُول بينه وبين ما يُريد أحدٌ.
وهو سبحانه (الحكيم) أي: العليم بخلقه وما يصلُح لهم، وقد ظهَرَت آثارُ حكمته في هذا النظام الذي أقامَ عليه الكون، وفي هذه الشريعة القادرة على تنظيم حياة الناس بدقَّةٍ وتوازُنٍ، فلا تُغفِل جانبًا، ولا يطغَى فيها جانبٌ على جانبٍ.
﴿هُوَ ٱلَّذِی بَعَثَ فِی ٱلۡأُمِّیِّـۧنَ﴾ أي: في العرب، وسمَّاهم الأُميين؛ لأنَّهم ما كانوا يُحسِنون الكتابة ولا القراءة من كتابٍ، بخلاف غيرهم من الأُمم المجاورة، والعبرة في هذا بالعموم الغالب؛ فقد تجد عربيًّا متعلّمًا، وقد تجد غيره أُميًّا.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّه تعالى لم يقُل: بعث إلى الأُميين، بل قال: ﴿ﭡ ﭢ﴾؛ لأنّه ﷺ مبعوثٌ إلى الناس أجمعين، وإن كان مبعثه في الأُميين.
﴿رَسُولࣰا مِّنۡهُمۡ﴾ أي: من أنفسهم، بمعنى أنّه ﷺ عربيٌّ معروفٌ حسبه ونسبه فيهم.
﴿یَتۡلُواْ عَلَیۡهِمۡ ءَایَـٰتِهِۦ﴾ أي: يقرؤها عليهم، ويبلِّغُها لهم كما أُنزلت عليه.
﴿وَیُزَكِّیهِمۡ﴾ من التزكية؛ وهي كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ معاني التهذيب والتربية، بصَقل النفوس وتطهيرها، وتنقية الآحاد والمجتمعات عن كلِّ صفةٍ ذميمةٍ، أو خُلقٍ مشينٍ، باستنهاض معاني الخير في الإنسان، ومحاصرة دوافع الشرِّ فيه.
﴿وَیُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ﴾ يُعلِّمُهُم القرآن وبيانه وكيفيَّة العمل به وتنزيله في حياتهم، وكلّ ما يحتاجونه في شؤونهم العامَّة والخاصَّة.
﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینࣲ﴾ أي: كانوا في جاهليَّةٍ ووثنيَّةٍ وضلالٍ عن طريق الحقِّ.
﴿وَءَاخَرِینَ مِنۡهُمۡ لَمَّا یَلۡحَقُواْ بِهِمۡۚ﴾ بمعنى أنَّ بعثته ﷺ لم تكن للعرب خاصَّة، بل هي للناس أجمعين.
وفي الآية بِشارة بدخول أُممٍ آخرين في هذا الدين؛ لأنَّ ﴿لَمَّا﴾ النافية مُشعِرةٌ بقرب تحقُّقِ ما نفَتْه، وأمّا كلمة: ﴿مِنۡهُمۡ﴾ فمعناها أنّ الذين يلحقون بالعرب هم أيضًا ممن كانوا في ضلالٍ مبينٍ، ومِمَّن بعث ﷺ ليتلُو عليهم آيات الله ويُزكِّيهم ويُعلِّمهم، وهذا هو واقعُ الدعوة المحمديَّة، وما تُؤكِّده مُحكَماتُ القرآن مِن مثل قوله تعالى: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا كَاۤفَّةࣰ لِّلنَّاسِ بَشِیرࣰا وَنَذِیرࣰا﴾ [سبأ: 28].
﴿ذَ ٰ⁠لِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ یُؤۡتِیهِ مَن یَشَاۤءُۚ﴾ مهَّدَ بهذه الجملة لما يأتي بشأن بني إسرائيل الذين شرَّفهم الله بحمل الرسالة ثم تخلَّوا عنها، فاستبدل الله بهم غيرهم.
﴿حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ یَحۡمِلُوهَا﴾ أي: شرَّفهم الله بحمل التوراة والعمل بها، لكنَّهم لم يحمِلُوها، وهذا الحكمُ ليس عامًّا في كلِّ الذين حمَّلَهم الله هذه الأمانة؛ فقد حمَلَها موسى وهارون ومن معهما من صالح قومهما، وحمَلَها من بعدهما أنبياء كُثُر، وصالحون آخرون لا يُحصَون عددًا، فمنهم الذين قاتَلوا مع طالوت ففتَحَ الله عليهم، ومنهم الذين أقاموا مع داود وسليمان مُلكَهم العظيم، فالظاهر أنّ المقصود بهذا الحكم هم اليهود الذين عاصَرُوا البعثة المُحمَّديَّة، وتنكَّروا لميثاق ربِّهم حسدًا من عند أنفسهم.
﴿كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ یَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢا ۚ﴾ هذا تشبيهٌ لحال اليهود عند مبعَث النبيِّ ﷺ؛ إذ كانوا يُفاخِرُون غيرَهم بما معهم من التوراة، لكنّهم لا يَهتَدُون بهَديِها، ولا يَعمَلُون بها، فكان مَثَلُهم كالحِمار الذي يَحمِلُ الكتب على ظهره، ولكنّه لا يَعِيها ولا يفهمها ولا يدري ما فيها.
وهذا مثالٌ بليغٌ ينبغي أن يقِف معه كلّ مُدَّعٍ للعلم لكتبٍ ورِثَها من أبيه، أو شهادةٍ حمَلَها عن مدرسته وجامعته؛ فالعبرة ليست بكثرة الكتب، ولا بكثرة الشهادات، وإنّما العبرة بالقدرة على الانتفاع بها، وتقديم الخير للناس منها.
﴿بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِینَ كَذَّبُواْ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِۚ﴾ بمعنى أنَّ هذا المثل الذي يحمل دلالةً بائسةً وسيِّئةً هو المثل الأنسَب الذي يُشخِّص سوءَ حال هؤلاء القوم الذين كذَّبوا برسالة محمدٍ ﷺ ولم ينتفعوا بما عندهم من التوراة التي تبشِّر به، وفيها وصفُه وعلامة ظهوره.
﴿وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ﴾ إشارةٌ إلى أنّ هؤلاء اليهود إنّما كذَّبوا برسالة محمدٍ ﷺ بظلمهم وحسدهم وسوء طويَّتهم، وليس عن نظرٍ أو اجتهادٍ خاطئٍ.
﴿قُلۡ یَــٰۤـأَیُّهَا ٱلَّذِینَ هَادُوۤاْ﴾ أي: يا أيُّها اليهود، وأصل كلمة (هادَ) أي: عادَ ورجعَ، وهي كلمة مدح؛ لأنّها مُستعملة في الأصل بمعنى: الرجوع إلى الحقِّ، ومُخاطبتهم بهذا الاسم؛ لصِلَته بادِّعائهم أنّهم أولياء الله، وهو موضوعُ المُحاجَجة.
﴿إِن زَعَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ﴾ إشارةٌ إلى ما يزعُمُونه في أنفسهم أنّهم شعبُ الله المختار، وأنّهم أبناء الله وأحباؤه، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
﴿فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ﴾ أي: تمنَّوا لقاء الله إذا كنتم صادقين في دعواكم تلك.
﴿وَلَا یَتَمَنَّوۡنَهُۥۤ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَیۡدِیهِمۡۚ﴾ من تحريفٍ لكتاب الله، وصدٍّ عن سبيل الله، وتكذيبٍ لرسول الله، فبأي وَجهٍ يَلقَون الله؟
﴿قُلۡ إِنَّ ٱلۡمَوۡتَ ٱلَّذِی تَفِرُّونَ مِنۡهُ فَإِنَّهُۥ مُلَـٰقِیكُمۡۖ﴾ فهذا قَدَرُ الناس جميعًا، وليس أمامكم مهرب عنه أو ملجأ.
﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلۡغَیۡبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَیُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ في هذا وعيدٌ لهم وتهديدٌ، فالله لا تخفى عليه منهم خافية، وسيُجازِيهم على كلِّ ما اقترفوا.
﴿یَــٰۤـأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا نُودِیَ لِلصَّلَوٰةِ مِن یَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ﴾ هذا أمرٌ للذين آمنوا أن يسعَوا إلى صلاة الجمعة إذا نُودِي لها.
والنداء هنا: الأذان، وصِلةُ هذه الصلاة بموضوع السورة: أنّ في صلاة الجمعة تلاوة للآيات، وتزكية للنفوس، وتعليمًا للقرآن والحكمة، بمعنى أنّ صلاةَ الجمعة وسيلةٌ أسبوعيةٌ متكررةٌ لتحقيق مقاصد البعثة المحمّديَّة، كما أنّ اجتماع المسلمين في مساجدهم كلّ أسبوعٍ يعزِّز فيهم وحدتهم وانتماءَهم لهويَّتهم الجامعة؛ وهذه شرط قيامهم بحمل أمانتهم التي شرَّفَهم الله بها بعد أن نَزَعَها عن بني إسرائيل.
﴿وَذَرُواْ ٱلۡبَیۡعَۚ﴾ مؤقَّتًا بقَدر ما تؤدُّون فيه هذه الفريضة، ويُقاسُ على البيع كلّ عملٍ يشغل عن صلاة الجمعة ولو كان بذاته مشروعًا أو قُربةً من القُرُبات، فمَن اشتغل مثلًا بتعليم أولاده القرآن وقت صلاة الجمعة فهو آثِم، وكذا مَن اشتغل بالتهليل والاستغفار، أو بتقديم صدقةٍ، أو عيادة مريضٍ، أو صلة رحمٍ، فالوقت هذا لا يتَّسِع لغير صلاة الجمعة، إلَّا من عذرٍ بَيِّنٍ.
﴿فَإِذَا قُضِیَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ﴾ أي: ارجِعوا إلى أعمالكم واطلُبوا من الله الرزق، وهكذا يجمَعُ القرآن بين العمل للدنيا والعمل للآخرة، ولكن لكلٍّ منهما وقته المُناسِب له.
﴿وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِیرࣰا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ هذا الذِّكرُ المطلقُ الذي يُستحبُّ للمؤمن ألَّا يغفل عنه حتى وهو يبيع ويشتري؛ لأنّ هذا الذِّكر يُصفِّي القلوب، ويبعد البائع والمشتري عن الغش والبُهت، والظلم صغُر أو كبُر.
﴿وَإِذَا رَأَوۡاْ تِجَـٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوۤاْ إِلَیۡهَا وَتَرَكُوكَ قَاۤىِٕمࣰاۚ﴾ هذا تعقيبُ القرآن على حادثةٍ معيَّنةٍ؛ فقد جاء في «الصحيحين»: أنَّ النبي ﷺ كان يخطُبُ قائمًا يوم الجمعة، فجاءت عِيرٌ من الشام، فانْفَتَل الناس إليها حتى لم يبقَ إلَّا اثنا عشر رجلًا، فأُنزِلَت هذه الآية التي في الجمعة ﴿وَإِذَا رَأَوۡاْ تِجَـٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوۤاْ إِلَیۡهَا وَتَرَكُوكَ قَاۤىِٕمࣰاۚ﴾.
وهذه طريقة القرآن في التربية؛ فالناس لازالوا يتعلَّمون منه ﷺ، وقد كانوا في جاهليَّة عمياء لا يعرفون شيئًا، وهذا الدرس العملي هو جزءٌ من أساليب هذه الدعوة المباركة في تحقيق مقاصد البعثة النبويَّة في التعليم والتزكية، وفيه إشارةٌ إلى حلمه ﷺ، وهذا تعليمٌ للمُعلِّم أيضًا أن يكون واسِع الصدر لتلاميذه، يترفَّق بهم، ويتدرَّج معهم.
﴿قُلۡ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَیۡرࣱ مِّنَ ٱللَّهۡوِ وَمِنَ ٱلتِّجَـٰرَةِۚ﴾ أي: ما أعدَّه لكم في صلاة الجمعة من تعليمٍ، وتزكيةٍ، وثوابٍ عظيم خيرٌ مما انصَرَفتم إليه.
﴿وَٱللَّهُ خَیۡرُ ٱلرَّ ٰ⁠زِقِینَ﴾ ختَمَ بهذه الحقيقة؛ تحرُّزًا مِن توهُّم أنّه لمَّا فضَّلَ الصلاةَ على التجارة في هذا الوقت أنَّه يُريد منهم تَركَ العمل للدنيا، وتَركَ السعي في طلب الرزق؛ فالإسلامُ دينٌ ودنيا، لا يرضَى بدينٍ من غير دنيا، ولا دنيا من غير دينٍ.