سورة القلم تفسير مجالس النور الآية 1

نۤۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا یَسۡطُرُونَ ﴿١﴾

تفسير مجالس النور سورة القلم

المجلس الثاني والستون بعد المائتين: وإنَّك لعلى خُلُق عظيم


سورة القلم


تتناول سورة القلم شؤونَ الدعوة المكِّيَّة، خاصَّةً أنّها من أوائل سور القرآن نزولًا، مُركِّزَةً الحديثَ في الجانب الأخلاقي، بدءًا بتزكيةِ النبيِّ الكريمِ ﷺ، ثم ببيانِ سُوء أخلاقِ مُكذِّبِيه ومُعانِدِيه، ثم بتقديمِ نموذجٍ من قصص الماضِين يُبيِّنُ تأثيرَ الإيمان في أخلاق الناس، مع محاججات لمشركي مكّة، ثم تختتم السورة بتوجيهاتٍ للنبي الكريم ﷺ بالصبر على عناد قومه ونفورهم عنه، وأخذ العبرة من قصة يونس عليه السلام لما ضاق ذرعًا بقومه حتى تركهم، ثم أرجعه الله إليهم، وكما يأتي:
أولًا: تبدأ السورة بتزكية النبي الكريم ﷺ تزكية شاملة مؤكِّدة ذلك بالقسم ﴿نۤۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا یَسۡطُرُونَ﴾؛ فقد زكَّاه الله تعالى في عقله: ﴿مَاۤ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونࣲ﴾، وزكَّاه في دينه ومكانته عند ربه: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجۡرًا غَیۡرَ مَمۡنُونࣲ﴾، وزكَّاه في خُلُقه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِیمࣲ﴾.
ولقد كانت قريش تنال منه وتطعن في عقله حتى اتهموه بالجنون، وتطعن في دينه حتى اتهموه بالسحر والافتراء على الله، وتطعن في خُلُقه حتى رموه بالكذب، واتهموه في قصده ونيّته؛ كلّ ذلك لينفّروا الناس عنه، خاصَّة أولئك البعيدين عن مكّة، والذين رُبَّما يفِدُون إليها للحج أو التجارة، فكانت هذه الكلمات تؤثِّر فيهم، وكان ردُّ القرآن واضحًا ومباشرًا، وقادرًا على أن يصِل لكلِّ أحدٍ بكل يُسرٍ.
ثانيًا: تؤكِّد السورة أنه سيأتي اليوم الذي تنكشف فيه الحقائق انكشافًا حتى يتبيَّن للناس مَن كان أَولَى بهذه التهم الباطلة، ومَن هو المُهتدي الماشي على الصراط المستقيم، ومَن هو الضالُّ التائهُ الحائدُ عن الصراط ﴿فَسَتُبۡصِرُ وَیُبۡصِرُونَ ﴿٥﴾ بِأَییِّكُمُ ٱلۡمَفۡتُونُ ﴿٦﴾ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِیلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِینَ﴾.
ثالثًا: تعرِض السورة صفات أولئك الكاذبين المُكذِّبين، والمستوى الأخلاقي المَهين الذي يرتكِسُون فيه، ومِن ثَمَّ تدعو النبيَّ ﷺ - والخطاب عامٌّ لكلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ - ألا يكترث لهم، ولا يضعف أمامهم ﴿فَلَا تُطِعِ ٱلۡمُكَذِّبِینَ ﴿٨﴾ وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَیُدۡهِنُونَ ﴿٩﴾ وَلَا تُطِعۡ كُلَّ حَلَّافࣲ مَّهِینٍ ﴿١٠﴾ هَمَّازࣲ مَّشَّاۤءِۭ بِنَمِیمࣲ ﴿١١﴾ مَّنَّاعࣲ لِّلۡخَیۡرِ مُعۡتَدٍ أَثِیمٍ ﴿١٢﴾ عُتُلِّۭ بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ زَنِیمٍ ﴿١٣﴾ أَن كَانَ ذَا مَالࣲ وَبَنِینَ ﴿١٤﴾ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَیۡهِ ءَایَـٰتُنَا قَالَ أَسَـٰطِیرُ ٱلۡأَوَّلِینَ ﴿١٥﴾ سَنَسِمُهُۥ عَلَى ٱلۡخُرۡطُومِ﴾.
رابعًا: تُقدِّم السورة نموذجًا فيه الدرس البليغ، وفيه الربط الوثيق بين الإيمان والأخلاق، وخلاصته أنّ إخوة كان لهم بستانٌ مُثمِرٌ، وقد حان قِطاف ثمره، فاتفقوا بينهم أن يخرجوا في الصباح الباكر خفيةً حتى لا يعلَم بهم الفقراء الذين كانوا ينتظرون هذا اليوم لعلَّهم يحظَون منهم بشيءٍ، فلمَّا حسَموا أمرهم بحِرمان الفقراء، حسَمَ الله أمرَ بستانهم، وحرمهم من قِطافهم ومصدر رزقهم، فاعتبروا بذلك وندِموا ﴿إِنَّا بَلَوۡنَـٰهُمۡ كَمَا بَلَوۡنَاۤ أَصۡحَـٰبَ ٱلۡجَنَّةِ إِذۡ أَقۡسَمُواْ لَیَصۡرِمُنَّهَا مُصۡبِحِینَ ﴿١٧﴾ وَلَا یَسۡتَثۡنُونَ ﴿١٨﴾ فَطَافَ عَلَیۡهَا طَاۤىِٕفࣱ مِّن رَّبِّكَ وَهُمۡ نَاۤىِٕمُونَ ﴿١٩﴾ فَأَصۡبَحَتۡ كَٱلصَّرِیمِ ﴿٢٠﴾ فَتَنَادَوۡاْ مُصۡبِحِینَ ﴿٢١﴾ أَنِ ٱغۡدُواْ عَلَىٰ حَرۡثِكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَـٰرِمِینَ ﴿٢٢﴾ فَٱنطَلَقُواْ وَهُمۡ یَتَخَـٰفَتُونَ ﴿٢٣﴾ أَن لَّا یَدۡخُلَنَّهَا ٱلۡیَوۡمَ عَلَیۡكُم مِّسۡكِینࣱ ﴿٢٤﴾ وَغَدَوۡاْ عَلَىٰ حَرۡدࣲ قَـٰدِرِینَ ﴿٢٥﴾ فَلَمَّا رَأَوۡهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَاۤلُّونَ ﴿٢٦﴾ بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ ﴿٢٧﴾ قَالَ أَوۡسَطُهُمۡ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ لَوۡلَا تُسَبِّحُونَ ﴿٢٨﴾ قَالُواْ سُبۡحَـٰنَ رَبِّنَاۤ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِینَ ﴿٢٩﴾ فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲ یَتَلَـٰوَمُونَ ﴿٣٠﴾ قَالُواْ یَـٰوَیۡلَنَاۤ إِنَّا كُنَّا طَـٰغِینَ ﴿٣١﴾ عَسَىٰ رَبُّنَاۤ أَن یُبۡدِلَنَا خَیۡرࣰا مِّنۡهَاۤ إِنَّـاۤ إِلَىٰ رَبِّنَا رَ ٰ⁠غِبُونَ ﴿٣٢﴾.
خامسًا: تُحذِّر السورة هؤلاء المشركين المُكذِّبين من مغبَّة الاستمرار في عنادهم وتكذيبهم، وتطلُب منهم أن يُقدِّموا بُرهانهم على ما يدَّعونه، أو شاهِدًا يشهد لهم، أو إن كانوا قد أخذوا من الله موثِقًا فهم مُطمئنّون إليه، أو إن كانوا مُتبرِّمين من ثِقَل الأجر الذي يطلبه منهم رسولُ الله لقاء دعوته لهم، وتعبه معهم ﴿كَذَ ٰ⁠لِكَ ٱلۡعَذَابُۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأَخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ یَعۡلَمُونَ ﴿٣٣﴾ إِنَّ لِلۡمُتَّقِینَ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِیمِ ﴿٣٤﴾ أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِینَ كَٱلۡمُجۡرِمِینَ ﴿٣٥﴾ مَا لَكُمۡ كَیۡفَ تَحۡكُمُونَ ﴿٣٦﴾ أَمۡ لَكُمۡ كِتَـٰبࣱ فِیهِ تَدۡرُسُونَ ﴿٣٧﴾ إِنَّ لَكُمۡ فِیهِ لَمَا تَخَیَّرُونَ ﴿٣٨﴾ أَمۡ لَكُمۡ أَیۡمَـٰنٌ عَلَیۡنَا بَـٰلِغَةٌ إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ إِنَّ لَكُمۡ لَمَا تَحۡكُمُونَ ﴿٣٩﴾ سَلۡهُمۡ أَیُّهُم بِذَ ٰ⁠لِكَ زَعِیمٌ ﴿٤٠﴾ أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَاۤءُ فَلۡیَأۡتُواْ بِشُرَكَاۤىِٕهِمۡ إِن كَانُواْ صَـٰدِقِینَ ﴿٤١﴾ یَوۡمَ یُكۡشَفُ عَن سَاقࣲ وَیُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا یَسۡتَطِیعُونَ ﴿٤٢﴾ خَـٰشِعَةً أَبۡصَـٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّـةࣱۖ وَقَدۡ كَانُواْ یُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمۡ سَـٰلِمُونَ ﴿٤٣﴾ فَذَرۡنِی وَمَن یُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلۡحَدِیثِۖ سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَیۡثُ لَا یَعۡلَمُونَ ﴿٤٤﴾ وَأُمۡلِی لَهُمۡۚ إِنَّ كَیۡدِی مَتِینٌ ﴿٤٥﴾ أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرࣰا فَهُم مِّن مَّغۡرَمࣲ مُّثۡقَلُونَ ﴿٤٦﴾ أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَیۡبُ فَهُمۡ یَكۡتُبُونَ ﴿٤٧﴾.
سادسًا: تدعو السورة النبيَّ ﷺ إلى أن يصبِر على أذى قومه له وإن كانوا قد بلغوا في أذاه كلّ مبلغ، وأن يأخذ العبرة من نبيِّ الله يونس عليه السلام؛ إذ ضاق ذرعًا بقومه، فخرج عن غير إذنٍ من ربِّه، فعاتَبَه الله ثُمّ أرجعه إليهم ﴿فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلۡحُوتِ إِذۡ نَادَىٰ وَهُوَ مَكۡظُومࣱ ﴿٤٨﴾ لَّوۡلَاۤ أَن تَدَ ٰ⁠رَكَهُۥ نِعۡمَةࣱ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلۡعَرَاۤءِ وَهُوَ مَذۡمُومࣱ ﴿٤٩﴾ فَٱجۡتَبَـٰهُ رَبُّهُۥ فَجَعَلَهُۥ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِینَ ﴿٥٠﴾ وَإِن یَكَادُ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ لَیُزۡلِقُونَكَ بِأَبۡصَـٰرِهِمۡ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكۡرَ وَیَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجۡنُونࣱ ﴿٥١﴾ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكۡرࣱ لِّلۡعَـٰلَمِینَ ﴿٥٢﴾.


﴿نۤۚ﴾ من الأحرف المقطَّعة، وقد تقدَّم الكلام فيها وبيان القول الراجح في تفسيرها أوَّل سورة البقرة.
﴿وَٱلۡقَلَمِ وَمَا یَسۡطُرُونَ﴾ يُقسِم الله بأداة توثيق العلم؛ وهي القلم، ويُقسِم بما يكتبه الكاتبون؛ وهو العلم نفسه، وفي هذا إعلاءٌ من شأن العلم وأهله، ولم يُفصِّل القرآن في مضمون هذا القَسَم، فهو يصدُق على العلم الذي يدوّنه الملائكة في السماء، والعلم الذي يدوّنه العلماء في الأرض، والله أعلم.
﴿مَاۤ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونࣲ﴾ أي: ما أنت مع ما أنعم الله عليك من النعم وخصَّك به من النبوة وسائر الكمالات بمجنون، بمعنى أنّ نعمة الله عليك ظاهرة بكمال العقل والخُلُق والحكمة، فكيف يقال عنك مجنون؟
﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجۡرًا غَیۡرَ مَمۡنُونࣲ﴾ أي: أجرُك عند الله دائمٌ غير مقطوع، وفي هذا بيان لكمال دينه وعظيم منزلته عند الله.
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِیمࣲ﴾ والخُلق عامٌّ في كلِّ السجايا والشمائل المرغوبة، واستعمل فيها كلمة (على) التي تُفيد التمكُّن التام، بمعنى أنّه ﷺ قد تمكَّن تمكُّنًا تامًّا من كلِّ معاني الأخلاق حتى تحقَّق فيه الكمال من كلِّ وجهٍ.
﴿فَسَتُبۡصِرُ وَیُبۡصِرُونَ﴾ أي: ستعلَم يا محمد، وسيعلمون في ذلك اليوم - وهو يوم القيامة - الذي تنكشف فيه الحقائق، وتظهر فيه الخبايا.
﴿بِأَییِّكُمُ ٱلۡمَفۡتُونُ﴾ الفتنة هنا تعني: الاضطراب بسبب جنون العقل، أو سوء الخُلُق، بمعنى أنّه يوم القيامة سيعلَم الناس مَن الذي كان مفتونًا بعقله ودينه وخلقه.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِیلِهِۦ﴾ تفسيرٌ للمفتون، وهو التائه والخارج عن جادَّة الصواب.
﴿وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِینَ﴾ في إشارة إلى إمام المُهتدين سيدنا محمد ﷺ ومن سارَ على هَديه إلى يوم الدين.
﴿وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَیُدۡهِنُونَ﴾ أي: تمنّى المشركون لو تُداهِنهم وتلين لهم فلا تُسفِّه دينهم، ولا تعِيب عليهم أصنامهم، فيلِينون لك هم كذلك، فلا تسمع منهم مثل هذه الشتائم.
والمُداهَنة التي يرفضها الشرع هنا هي المداهنة في تغيير العقائد، وتحريف الأحكام، أمّا لو كانت المُداهَنة بمعنى اللِّين في القول، والمبرَّة بالخُلق، والتعاوُن في وجوه الخير؛ كنجدة المظلوم، وإغاثة اللهفان فلا حرج في هذا.
وقد مرَّت معنا آيات كثيرة في هذا، مِن مثل قوله تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَـٰدِلۡهُم بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُۚ﴾ [النحل: 125]، وقول الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلࣰا لَّیِّنࣰا لَّعَلَّهُۥ یَتَذَكَّرُ أَوۡ یَخۡشَىٰ﴾ [طه: 44].
﴿حَلَّافࣲ﴾ كثير الحلف، والمراد به هنا: المُكثِر من الكذب فيما يحلف عليه.
﴿مَّهِینٍ﴾ ضعيفٌ في رأيه، حقيرٌ في خُلقه.
﴿هَمَّازࣲ﴾ كثير الهمز؛ وهو الطعن في الآخرين بالغيبة وغيرها.
﴿مَّشَّاۤءِۭ بِنَمِیمࣲ﴾ كثير النميمة.
﴿مَّنَّاعࣲ لِّلۡخَیۡرِ﴾ شحيح لئيم لا يحبُّ الخير للآخرين.
﴿مُعۡتَدٍ﴾ متجاوز للحدِّ بعدوانه على الحقّ وأهله.
﴿أَثِیمٍ﴾ كثير الإثم.
﴿عُتُلِّۭ﴾ غليظ الطبع، ظلوم جهول.
﴿بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ زَنِیمٍ﴾ أي: وفوق كلِّ الذي مرَّ من الصفات القبيحة فهو زَنيمٌ؛ بمعنى أنّه لصيقٌ بقريش وليس منهم، وهذه الصفة تعني أنّ القرآن قصد معيَّنًا لكنّه لم يُسمِّه، والأَولَى السكوت عن ذلك؛ إذ لا فائدة في تعيينه الآن.
﴿أَن كَانَ ذَا مَالࣲ وَبَنِینَ﴾ تعليلٌ لغِلظته وشدَّته في الباطل، وغروره وتكبّره.
﴿أَسَـٰطِیرُ ٱلۡأَوَّلِینَ﴾ أي: ما سطّره الأولون من قصصٍ وحكاياتٍ لا تستندُ إلى علمٍ ولا دليلٍ.
﴿سَنَسِمُهُۥ عَلَى ٱلۡخُرۡطُومِ﴾ أي: سنضربه على أنفه، وهذا كنايةٌ عن إذلاله غاية الإذلال؛ إذ الأنف عند العرب رمزٌ للكبرياء والأنَفَة، ورُبَّما كان هذا الشقيُّ ممَّن قُتِل في بدر، والله أعلم.
﴿إِنَّا بَلَوۡنَـٰهُمۡ كَمَا بَلَوۡنَاۤ أَصۡحَـٰبَ ٱلۡجَنَّةِ﴾ أي: اختبَرناهم كما اختبَرنا أصحابَ البُستان، والاختبار هنا يعني أنّه تعالى أمهَلَهم وأمدَّهم بما يتمتَّعُون، حتى يرَى مُحسِنَهم من مُسيئِهم، وكان هذا التشبيهُ مدخلًا لطيفًا لقصَّة أصحاب البُستان هؤلاء.
﴿إِذۡ أَقۡسَمُواْ لَیَصۡرِمُنَّهَا مُصۡبِحِینَ﴾ أي: عزموا على أن يَجُذُّوا ثمارَها فجرًا، حتى لا يعلَمَ بهم أحدٌ من الفقراء الذين كانوا ينتظِرُون منهم شيئًا في يوم جذاذِها، كما كانت سُنَّة أبيهم في رعايته للفقراء.
﴿وَلَا یَسۡتَثۡنُونَ﴾ أي: لا يتركون من ثمرها شيئًا إلَّا أخذوه.
﴿فَطَافَ عَلَیۡهَا طَاۤىِٕفࣱ مِّن رَّبِّكَ وَهُمۡ نَاۤىِٕمُونَ﴾ أي: فنزل بها من أمر الله ما نزل وهم نائمون، ورُبَّما كان ذلك صاعقة من السماء.
﴿فَأَصۡبَحَتۡ كَٱلصَّرِیمِ﴾ كالرماد الأسود؛ وهذا أنسب التفاسير إن كانت قد هلَكَت حرقًا بالصاعقة التي ضربتها، والله أعلم.
﴿فَتَنَادَوۡاْ مُصۡبِحِینَ﴾ أي: نادى بعضهم بعضًا عند الصباح ليمضوا فيما عزموا عليه.
﴿أَنِ ٱغۡدُواْ عَلَىٰ حَرۡثِكُمۡ﴾ أي: بكِّروا وامشوا إلى بستانكم.
﴿إِن كُنتُمۡ صَـٰرِمِینَ﴾ أي: إن كنتم عازمين على قطف الثمار، والشرط هذا ليس على سبيل التعليق؛ إذ لا وجه للتعليق هنا، بل هو لحثّهم على الإسراع، كأنّ قائل هذا القول قد استبطأهم.
﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمۡ یَتَخَـٰفَتُونَ﴾ يتهامسون فيما بينهم كي لا يسمع بهم أحدٌ.
﴿أَن لَّا یَدۡخُلَنَّهَا ٱلۡیَوۡمَ عَلَیۡكُم مِّسۡكِینࣱ﴾ إذ هذه هي غايتهم المبيَّتة والمتفق عليها بينهم.
﴿وَغَدَوۡاْ عَلَىٰ حَرۡدࣲ قَـٰدِرِینَ﴾ أي: أصبحوا قادرين على منع المساكين مما ينتظرونه.
﴿فَلَمَّا رَأَوۡهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَاۤلُّونَ﴾ أي: لما رأوها مُحترقةً قد ذهبت معالمها، قالوا لأوَّل وَهلَتِهم: إنَّا لتائِهُون.
﴿بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ﴾ أدرَكوا الحقيقة أنّهم أرادُوا حِرمانَ المساكين، فحَرَمَهم الله.
﴿قَالَ أَوۡسَطُهُمۡ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ لَوۡلَا تُسَبِّحُونَ﴾ أي: قال لهم أحكمُهم وأعدلُهم رأيًا: ألم أنصحكم بأن تذكروا الله وتسبِّحوه؟ والظاهر من السياق أنّه يلومهم على فِعلتهم مع أنّه كان معهم، بمعنى أنّه لم يكن راضِيًا بما بيَّتُوه تجاه المساكين، لكنّه لم يجِد بُدًّا من الذهاب معهم؛ لأنّ البستان بستانهم جميعًا.
﴿قَالُواْ سُبۡحَـٰنَ رَبِّنَاۤ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِینَ﴾ أي: اعترفوا بخطئهم، وآبُوا لرُشدهم.
﴿فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲ یَتَلَـٰوَمُونَ﴾ والتلاوُمُ عادة البشر في مثل هذه الأحوال، حتى لو اشتركوا في الفعل، فالذي انقَدَحَت في ذهنه الفكرة وأشارَ عليهم بها يتحمَّل اللومَ أكثر، ثُمّ مَن سارَعَ في تأييده، وهكذا.
﴿قَالُواْ یَـٰوَیۡلَنَاۤ إِنَّا كُنَّا طَـٰغِینَ﴾ تأكيدٌ لاعترافهم، لكنّه اعترافٌ ممزوجٌ بالندم والحسرة.
﴿عَسَىٰ رَبُّنَاۤ أَن یُبۡدِلَنَا خَیۡرࣰا مِّنۡهَاۤ إِنَّـاۤ إِلَىٰ رَبِّنَا رَ ٰ⁠غِبُونَ﴾ بعد أن استيقَظَ الإيمان في قلوبهم، وأقرُّوا بخطَئِهم، راحُوا يسألونَه سبحانه أن يُبدِلَهم خيرًا منها، وهذا هو طريقُ المُؤمن حينما يهفو ويقَع في الذنب؛ أن يعتَرِف أولًا ولا يُكابِر أو يُعانِد، ثم يُصحِّح مسيرتَه، ويفتَح بابَ الرجاء والأمل الواسع مع ربِّه، فهو سبحانه الغنيُّ عن مُعاقبة عبيده، لكنَّه يُربِّيهم ويُنبِّههم ليردَّهم إليه.
﴿كَذَ ٰ⁠لِكَ ٱلۡعَذَابُۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأَخِرَةِ أَكۡبَرُۚ﴾ أي: هكذا يكون العذاب إذا أراد الله أن يعجِّل به لأحدٍ في الدنيا، وفي هذا تهديدٌ لمُشركي قريش أن يُصيبَهم عذابٌ قريبٌ قبل عذابهم الأخروي الذي هو أشدّ وأكبر.
﴿إِنَّ لِلۡمُتَّقِینَ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِیمِ﴾ هدَّدهم بالعذاب، ثمّ رغَّبهم بالنعيم، وهكذا هي طريقة القرآن تجمَع بين الترغيب والترهيب.
﴿أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِینَ كَٱلۡمُجۡرِمِینَ﴾ سؤالٌ استنكاريٌّ، وفيه تأكيدٌ لعقيدة العدل الإلهي، فإنَّما التمايز بالإيمان والعمل، وليس بشيءٍ آخر.
﴿مَا لَكُمۡ كَیۡفَ تَحۡكُمُونَ﴾ أنكر عليهم طريقتهم في الحكم على الناس، ومعاييرهم وموازينهم التي يحكمون بها، ويقيسون عليها.
﴿أَمۡ لَكُمۡ كِتَـٰبࣱ فِیهِ تَدۡرُسُونَ ﴿٣٧﴾ إِنَّ لَكُمۡ فِیهِ لَمَا تَخَیَّرُونَ﴾ يسألهم عن مصدر معاييرهم تلك: هل كانت من كتاب قد نزل عليهم، وفيه كل هذا الذي يتخيّرونه ويشتهونه؟ والقرآن يؤكِّد أنَّ هؤلاء لا يستندون إلى شيءٍ مكتوبٍ وموثّقٍ، وإنّما هو الهوى والطغيان.
﴿أَمۡ لَكُمۡ أَیۡمَـٰنٌ عَلَیۡنَا بَـٰلِغَةٌ إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ إِنَّ لَكُمۡ لَمَا تَحۡكُمُونَ﴾ أي: إذا لم يكن عندكم كتابٌ على وفق ما تشتهون، فهل كان لكم عهدٌ ثابتٌ ودائمٌ مع الله أن يُعطيكم كلّ ما تحكمون به؟
﴿سَلۡهُمۡ أَیُّهُم بِذَ ٰ⁠لِكَ زَعِیمٌ﴾ أي: من هو كفيلكم عند الله الذي يتكفَّل لكم بكلِّ هذا الذي تتمنّونه وتشتهونه، ويعلم كلّ تلك الأَيمان والمواثيق؟
﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَاۤءُ فَلۡیَأۡتُواْ بِشُرَكَاۤىِٕهِمۡ إِن كَانُواْ صَـٰدِقِینَ﴾ أي: إن لم يكن عندهم كُفَلاء يكفلُون لهم حقَّهم الذي يزعُمُونه عند الله، فهل يعتَمِدُون بذلك على أصنامِهم؟ أو هل يرَونَ أن أصنامَهم هذه ستأخُذُ لهم حقَّهم من الله؟ إذن فليأتوا بها يوم القيامة! وهذا غايةُ التهكُّم بعقولهم وطريقتهم البائسة في التفكير.
﴿یَوۡمَ یُكۡشَفُ عَن سَاقࣲ﴾ ذاك يوم القيامة الذي سيُحشرون فيه هم وآلهتهم المزيّفة، وسينكشف لهم الأمر تمام الانكشاف، والساق هنا كناية عن عمود الأمر، وأصل الخلاف الذي كان بينهم وبين المسلمين، فتتَّضِحُ فيه الحقائق، ويشتدُّ الخَطبُ عليهم، وقد تكون هناك حقائِق أخرى من عالم الآخرة ستنكشِف، وهذا موكولٌ إلى الله وحده.
﴿وَیُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا یَسۡتَطِیعُونَ ﴿٤٢﴾ خَـٰشِعَةً أَبۡصَـٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّـةࣱۖ وَقَدۡ كَانُواْ یُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمۡ سَـٰلِمُونَ﴾ هذا مشهدٌ من مشاهد الآخرة؛ حيث يُدعَى الناس إلى السجود لربِّهم، وهم محشورون جميعًا في أرض المحشر مؤمنهم وكافرهم، فيسجد كلُّ من كان مؤمنًا ساجدًا لله في حياته الدنيا، ويبقَى هؤلاء الأشقياء لا يستطيعون السجود، فتُصيبهم الذلّة والحسرة، ويتذكرون كيف كان النبيُّ يدعوهم إلى الإيمان بربِّهم والسجود له، وقد كانوا يستطيعون ذلك، لكنّهم أعرَضوا واستكبَروا.
وقد جاء في «الصحيحين»: «فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، فَلاَ يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ للهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلَّا أَذِنَ اللهُ لَهُ بِالسُّجُودِ، وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً وَرِيَاءً إِلَّا جَعَلَ اللهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً، كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ».
والحديث الشريف يُشير إلى أن هناك حقائق أخرى لا نعلَمُ عنها شيئًا ستنكَشِفُ لنا، والله سبحانه أعلم بها وبكيفيَّتها.
﴿فَذَرۡنِی وَمَن یُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلۡحَدِیثِۖ﴾ أي: اترك أمرَ هؤلاء المُكذِّبين وكِلْهم لي.
﴿سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَیۡثُ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ الاستِدراج: أخذهم من حالٍ إلى حال حتى يصِلوا إلى ما فيه هلاكُهم، والاستِدراج لا يكون إلَّا بالشرِّ، وهو من مكرِ الله بالطغاة؛ حيث يُمهِلهم ويمدّهم بالنعم وبأسباب القوة حتى يأخذهم من حيث لم يحتسبوا، ويُؤكِّد هذا قوله تعالى: ﴿وَأُمۡلِی لَهُمۡۚ﴾أي: أُمهِلهم ﴿إِنَّ كَیۡدِی مَتِینٌ﴾ أي: شديد، وهو على سبيل المُشاكَلَة التي تُناسِبُ كيدَهم في الدنيا.
﴿أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرࣰا فَهُم مِّن مَّغۡرَمࣲ مُّثۡقَلُونَ﴾ أي: هل أثقَلتَ عليهم يا محمد بما تطلُبُه منهم من أموالٍ لقاء دعوتهم ونصحهم؟ وهذا السؤال قُصِدَ به تنزيه الدعوة عن أيِّ غرضٍ مادِّيٍّ، وبيان أنّ المشركين لم يَبقَ عندهم حجَّة ولا عُذر إلا العناد والمكابرة.
﴿أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَیۡبُ فَهُمۡ یَكۡتُبُونَ﴾ أي: هل وصل سلطانهم إلى الغيب فهم يكتبون فيه ما يشاؤون ويشتهون؟ وهذه غايةٌ في الازدراء والتهكُّم بعقولهم.
﴿فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ﴾ أي: امض في طريق دعوتك، واصبِر لأمر الله ولحكمه تعالى فيهم، فلكلِّ أجلٍ كتابٍ.
﴿وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلۡحُوتِ﴾ وهو يونس على نبيِّنا وعليه الصلاة والسلام، أي: لا تكن مثله في عدم صبره على قومه.
﴿إِذۡ نَادَىٰ وَهُوَ مَكۡظُومࣱ﴾ أي: نادَى اللهَ وتضرَّعَ إليه وهو مهمومٌ، ومُغلَقٌ عليه في بطن الحوت.
﴿لَّوۡلَاۤ أَن تَدَ ٰ⁠رَكَهُۥ نِعۡمَةࣱ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلۡعَرَاۤءِ وَهُوَ مَذۡمُومࣱ﴾ أي: لولا نعمة الله عليه واستجابته لندائه وتضرُّعه لألقَاه الحوتُ في العراء، فتُرك هناك بلا مأوًى ولا زادٍ حتى يموت، لكن الله تولّاه ونجَّاه من هذه المحنة، وأتمَّ عليه نعمته ﴿فَٱجۡتَبَـٰهُ رَبُّهُۥ فَجَعَلَهُۥ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِینَ﴾.
﴿وَإِن یَكَادُ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ لَیُزۡلِقُونَكَ بِأَبۡصَـٰرِهِمۡ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكۡرَ وَیَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجۡنُونࣱ﴾ عاد القرآن في الختام إلى ما ابتدأت به السورة، مُذكِّرًا بموقف قريش من الرسول الكريم ﷺ واتهامهم له، ومكرهم به، وحقدهم عليه، وهو إنّما يدعوهم لما فيه ذِكرهم وخيرهم، وقوله تعالى: ﴿لَیُزۡلِقُونَكَ بِأَبۡصَـٰرِهِمۡ﴾ أي: ينظرون إليك نظرًا بغيضًا، ويتمنّون لو أنًهم كانوا قادرين على إسقاطك أرضًا بشزر أعينهم، كما يسقط الذي يزلق في الطين ونحوه.
﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكۡرࣱ لِّلۡعَـٰلَمِینَ﴾ أي: إن هذا الذي أغاظَهم ودفعهم إلى هذه العداوة إنما هو القرآن الذي فيه ذِكرهم وذِكر العالمين أجمعين، يذكِّرهم بالحق ويدعوهم إليه، ويرفع من شأنهم وقدرهم به في الدنيا والآخرة لو كانوا يعقِلون.