سورة النازعات تفسير مجالس النور الآية 1

وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرۡقࣰا ﴿١﴾

تفسير مجالس النور سورة النازعات

المجلس الثالث والسبعون بعد المائتين: فإذا جاءت الطامة الكبرى


سورة النازعات


لا تختلف سورة النازعات عن سابقتها في تأكيد عقيدة اليوم الآخر؛ فهو الموضوع المحوريُّ في السورتَين، مع فوارق في الأسلوب والصور والمَشاهِد بما يقتضيه السياق، مع استِهلال النازعات بالقسَم المؤكَّد، واستشهادها في مقام التحذير والتهديد بهلاك فرعون بعد أن طغَى وبغَى وأبَى أن يستجيب لرسالة موسى عليه السلام، وكما يأتي:
أولًا: أَقْسَمَ الله تعالى في مستهلِّ السورة بالملائكة التي تنزِع أرواح البشر، وتستجيب لأمر ربِّها في كلِّ ما يطلبه منها، وتجُوبُ في هذا الكون لتدبُّر أمره وفق سُننه تعالى التي لا تتخلّف ﴿وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرۡقࣰا ﴿١﴾ وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشۡطࣰا ﴿٢﴾ وَٱلسَّـٰبِحَـٰتِ سَبۡحࣰا ﴿٣﴾ فَٱلسَّـٰبِقَـٰتِ سَبۡقࣰا ﴿٤﴾ فَٱلۡمُدَبِّرَ ٰ⁠تِ أَمۡرࣰا﴾.
ثانيًا: ثم تنقل السورة مشهدًا من مشاهِد الآخرة فيه حَيرة أولئك الناس ودهشتهم وخوفهم الشديد، وتساؤلاتهم وهم يرَون ذلك الانقلاب الكوني الهائل وما فيه من هزّاتٍ وزلازل ﴿یَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ ﴿٦﴾ تَتۡبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ ﴿٧﴾ قُلُوبࣱ یَوۡمَىِٕذࣲ وَاجِفَةٌ ﴿٨﴾ أَبۡصَـٰرُهَا خَـٰشِعَةࣱ ﴿٩﴾ یَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرۡدُودُونَ فِی ٱلۡحَافِرَةِ ﴿١٠﴾ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمࣰا نَّخِرَةࣰ ﴿١١﴾ قَالُواْ تِلۡكَ إِذࣰا كَرَّةٌ خَاسِرَةࣱ ﴿١٢﴾ فَإِنَّمَا هِیَ زَجۡرَةࣱ وَ ٰ⁠حِدَةࣱ ﴿١٣﴾ فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ﴾.
ثالثًا: ثم تنتقل السورة لتأخذ صورةً من عذاب الله العاجِل؛ حيث كان فرعون يُكذِّب برسالات الله ويُحارب أولياءه حتى بلغ في الغرور شأوًا لم يبلُغه سِواه، فادَّعى الربوبيَّة فأهلَكَه الله وجعلَه عِبرةً لكلِّ معتبرٍ، وجعل في قصته سلوَى لكلِّ داعٍ إلى الحقِّ مُستمسك بدينه مهما بغَى الباغون، وظلم الظالمون ﴿هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِیثُ مُوسَىٰۤ ﴿١٥﴾ إِذۡ نَادَىٰهُ رَبُّهُۥ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوًى ﴿١٦﴾ ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ﴿١٧﴾ فَقُلۡ هَل لَّكَ إِلَىٰۤ أَن تَزَكَّىٰ ﴿١٨﴾ وَأَهۡدِیَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخۡشَىٰ ﴿١٩﴾ فَأَرَىٰهُ ٱلۡـَٔایَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰ ﴿٢٠﴾ فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ﴿٢١﴾ ثُمَّ أَدۡبَرَ یَسۡعَىٰ ﴿٢٢﴾ فَحَشَرَ فَنَادَىٰ ﴿٢٣﴾ فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ ﴿٢٤﴾ فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلۡأَخِرَةِ وَٱلۡأُولَىٰۤ ﴿٢٥﴾ إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَعِبۡرَةࣰ لِّمَن یَخۡشَىٰۤ﴾.
رابعًا: ثم تلتَفِت السورة إلى آيات الله المبثُوثة في هذا الكون، والشاهدة على وحدانيّته سبحانه وقدرته على خلقه، ورعايته لهم ﴿ءَأَنتُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَمِ ٱلسَّمَاۤءُۚ بَنَىٰهَا ﴿٢٧﴾ رَفَعَ سَمۡكَهَا فَسَوَّىٰهَا ﴿٢٨﴾ وَأَغۡطَشَ لَیۡلَهَا وَأَخۡرَجَ ضُحَىٰهَا ﴿٢٩﴾ وَٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ دَحَىٰهَاۤ ﴿٣٠﴾ أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَاۤءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا ﴿٣١﴾ وَٱلۡجِبَالَ أَرۡسَىٰهَا ﴿٣٢﴾ مَتَـٰعࣰا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَـٰمِكُمۡ﴾.
خامسًا: ثم تعود السورة إلى موضوعها الأساس مركّزة على عقيدة الحساب والحكم الإلهي الشامل والعادل الذي لا يظلم أحدًا، ولا يُحابي أحدًا، هناك تبرّزُ الجحيم لأهلها؛ وهم الطغاة المارقون الآثمون، وتقرّب الجنّة لأهلها؛ وهم المؤمنون المتّقون المتواضعون ﴿فَإِذَا جَاۤءَتِ ٱلطَّاۤمَّةُ ٱلۡكُبۡرَىٰ ﴿٣٤﴾ یَوۡمَ یَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَـٰنُ مَا سَعَىٰ ﴿٣٥﴾ وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِیمُ لِمَن یَرَىٰ ﴿٣٦﴾ فَأَمَّا مَن طَغَىٰ ﴿٣٧﴾ وَءَاثَرَ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا ﴿٣٨﴾ فَإِنَّ ٱلۡجَحِیمَ هِیَ ٱلۡمَأۡوَىٰ ﴿٣٩﴾ وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ﴾.
سادسًا: تتناول السورة في الختام تساؤل الناس عن موعد الساعة؛ فتُوجِّههم إلى الجواب العملي الذي ينفعهم ويدلُّهم على الطريق الذي فيه فوزهم ونجاتهم ﴿یَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَیَّانَ مُرۡسَىٰهَا ﴿٤٢﴾ فِیمَ أَنتَ مِن ذِكۡرَىٰهَاۤ ﴿٤٣﴾ إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَىٰهَاۤ ﴿٤٤﴾ إِنَّمَاۤ أَنتَ مُنذِرُ مَن یَخۡشَىٰهَا ﴿٤٥﴾ كَأَنَّهُمۡ یَوۡمَ یَرَوۡنَهَا لَمۡ یَلۡبَثُوۤاْ إِلَّا عَشِیَّةً أَوۡ ضُحَىٰهَا﴾.


﴿وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ﴾ يُقسِم الله تعالى بالنازعات، وهي صفةٌ تصلح للملائكة وتصلح لغيرهم، ومن هنا اختلف المُفسِّرون في تفسيرها وتعيين موصوفها، ومثلها الناشطات وبقية الصفات، إلَّا أنَّ الأظهر - والله أعلم - أنَّ المقصود بكلِّ ذلك الملائكة؛ بقرينة الصفة الأخيرة: ﴿فَٱلۡمُدَبِّرَ ٰ⁠تِ أَمۡرࣰا﴾ إضافة إلى أنَّ صلة الملائكة بقبض الأرواح وتدبير أمر الله في الكون أقرب لموضوع السورة، وعلى هذا فمعنى النازعات: الملائكة التي تقوم بنزع الأرواح وإخراجها من أجسادها.
﴿غَرۡقࣰا﴾ أي: تنزِع الروح من كلِّ أجزاء البدن؛ فالغرق هنا بمعنى الاستيفاء والإتمام.
﴿وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشۡطࣰا﴾ صفة أخرى من صفات الملائكة تحتمِل النشاط في الحركة وتنفيذ ما يُطلَب منهم، وتحتمل نَشْط أرواح المؤمنين لتمييزهم في طريقة إخراج أرواحهم عن أرواح الكافرين، فللكافرين النَّزْع، وفيه معنى الكره والإيلام، وللمؤمنين النَّشْط، وفيه معنى الدقّة والنشاط والاستبشار.
﴿وَٱلسَّـٰبِحَـٰتِ سَبۡحࣰا﴾ صفة ثالثة؛ أي: أنَّهم يعومون في هذا الفضاء صعودًا ونزولًا.
﴿فَٱلسَّـٰبِقَـٰتِ سَبۡقࣰا﴾ صفة رابعة بمعنى أنَّهم المبادرون لأمر الله، والمُسرِعون في تنفيذه.
﴿فَٱلۡمُدَبِّرَ ٰ⁠تِ أَمۡرࣰا﴾ صفة خامسة بمعنى أنَّهم المدبّرون لشؤون هذا الكون وفق أمره ـ لهم، وسننه الثابتة والحاكمة في هذا الخلق.
﴿یَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ﴾ وهي: الزلزلة التي تكون عند قيام الساعة.
﴿تَتۡبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ﴾ أي: تتبع الزلزلة زلزلة أخرى فتكون رديفتها وتالية لها.
﴿قُلُوبࣱ یَوۡمَىِٕذࣲ وَاجِفَةٌ﴾ أي: مضطربة خائفة، وهؤلاء هم الكافرون الظالمون، أما أهل الإيمان فهم في راحةٍ واطمئنانٍ.
﴿أَبۡصَـٰرُهَا خَـٰشِعَةࣱ﴾ أي: ذليلةٌ.
﴿یَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرۡدُودُونَ فِی ٱلۡحَافِرَةِ ﴿١٠﴾ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمࣰا نَّخِرَةࣰ﴾ أي: كانوا قبل هذا اليوم يُنكِرون الحياة الآخرة، ويسخَرون من إمكانيّة إعادتهم للحياة وهم في قبورهم قد صاروا عظامًا نخرةً.
﴿قَالُواْ تِلۡكَ إِذࣰا كَرَّةٌ خَاسِرَةࣱ﴾ أي: خائبةٌ، وهذا في سياق الاستهزاء المستمر، وليس على سبيل الافتراض والتفكير فيما يمكن أن ينبني على هذا الافتراض، فهم أبعد ما يكونون عن الفكر والتفكير، ولو كانوا يفترضون ذلك - ولو على سبيل الاحتمال - لقادهم هذا إلى الاحتياط لأنفسهم، والتفكير في مصيرهم.
﴿فَإِنَّمَا هِیَ زَجۡرَةࣱ وَ ٰ⁠حِدَةࣱ﴾ أي: صيحةٌ واحدةٌ، وهي النفخة الثانية التي تُعلِن بدء الحياة الثانية.
﴿فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ﴾ وهي الأرض المستوية التي ليس فيها مرتفعات ولا منخفضات، وليس فيها نبات، فهي أرضٌ مكشوفةٌ، والمقصود بها هنا: أرض المحشر.
﴿هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِیثُ مُوسَىٰۤ﴾ سؤالٌ قُصِدَ به التشويق للجواب.
﴿بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوًى﴾ وطُوَى اسم الوادي، والمقدَّس صفته، ومعناه: المطهَّر.
﴿ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ﴾ فيه أنَّ الداعية هو المُكلَّف بالذهاب إلى الآخرين، وتبليغ رسالة الله لهم.
﴿فَقُلۡ هَل لَّكَ إِلَىٰۤ أَن تَزَكَّىٰ﴾ على سبيل العرض وليس على سبيل الأمر، وهذا أسلوبٌ لطيفٌ من أساليب الدعوة؛ فإنَّ الأمر تأبَاه النفوس في البداية، بخلاف العرض الذي يترك الأمر للمخاطب وهو الذي يتحمَّل مسؤوليَّة خياره وقراره.
﴿وَأَهۡدِیَكَ﴾ أي: وأدلّك.
﴿إِلَىٰ رَبِّكَ﴾ تلطُّفٌ آخر؛ إذ لو قال: إلى ربي لكان كأنّه يدعو لنفسه.
﴿فَأَرَىٰهُ ٱلۡـَٔایَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰ﴾ أي: أقام الحجّة على صدقه بالآية الكبرى، وهي المعجزة التي أظهَرَها الله على يده أمام فرعون، والآية اسم جِنسٍ لا يُقصد بها المعجزة الواحدة؛ فموسى عليه السلام قدَّم لفرعون أكثر من معجزةٍ، كما هو معلومٌ.
﴿فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ﴿٢١﴾ ثُمَّ أَدۡبَرَ یَسۡعَىٰ ﴿٢٢﴾ فَحَشَرَ فَنَادَىٰ﴾ هذه العبارة السريعة والمتعاقبة تشير إلى سرعة تحرك فرعون واتخاذه التدابير اللازمة لمواجهة موسى عليه السلام، وهكذا هو الباطل في كل زمان؛ لأنه يرى أن معركته مع الحق معركة وجود لا معركة حدود.
﴿فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ﴾ أراد بالأعلى: الصفة اللازمة له لا على سبيل التفضيل؛ لأنه لا يعترف بربٍّ آخر حتى لو كان أدنى منه؛ ولذلك قال في موضع آخر: ﴿مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَـٰهٍ غَیۡرِی﴾ [القصص: 38].
والملاحظ هنا ليس في جرأة فرعون على هذه الفرية الكافرة الآثمة فحسب، وإنما أيضًا بطاعة الناس له وهم يعلمون أنه مخلوق مثلهم يأكل كما يأكلون، وينام كما ينامون, ويمرض كما يمرضون، ويقضي حاجته كما يقضون!
﴿فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ﴾ أي: فأهلَكَه الله.
﴿نَكَالَ ٱلۡأَخِرَةِ وَٱلۡأُولَىٰۤ﴾ أي: تحذيرًا ورَدعًا لأمثاله عمَّا يُوجِبُ عذابَ الدنيا، وعذابَ الآخرة.
﴿إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَعِبۡرَةࣰ لِّمَن یَخۡشَىٰۤ﴾ أي: في هذا النَّكال عبرة لمن يتفكَّر ويعتَبِر.
﴿ءَأَنتُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَمِ ٱلسَّمَاۤءُۚ﴾ استِفهامٌ تقريريٌّ قُصِدَ به التنبيهُ إلى آيات الله في الخلق وآيات قدرته العليَّة، وفيه تهديدٌ للمُشركين والمُكذِّبين.
﴿بَنَىٰهَا﴾ أي: بإحكامٍ وإتقانٍ.
﴿رَفَعَ سَمۡكَهَا﴾ أي: رفع جرمها، وجعلها رغم عظمها وثقلها بهذا العلو.
﴿فَسَوَّىٰهَا﴾ فعدّلها؛ فلا ترى فيها خللًا، ولا نتوءًا، ولا تشقُّقًا.
﴿وَأَغۡطَشَ لَیۡلَهَا﴾ أي: جعل ليلها مظلمًا.
﴿وَأَخۡرَجَ ضُحَىٰهَا﴾ أي: أظهَرَه ببزوغ الشمس، وفيه أنّ الظلمة أصلٌ في هذا الكون، وأنَّ النور طارئٌ؛ لأنّه لا يكون إلَّا بسببٍ.
﴿وَٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ دَحَىٰهَاۤ﴾ الأظهر في معنى ﴿دَحَىٰهَاۤ﴾ أنَّه سوَّاها وملأها بالماء وأنواع الطاقة، ومهَّدَها لعيش الناس وسُكناهم؛ ولذلك قال بعدها: ﴿أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَاۤءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا﴾.
﴿وَٱلۡجِبَالَ أَرۡسَىٰهَا﴾ أي: ثبَّتَها.
﴿مَتَـٰعࣰا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَـٰمِكُمۡ﴾ والمتاع: ما ينتفع به، وقد جاء هذا في سياق الامتنان المُستلزِم للشكر، وفي مقام إثبات الغاية والقصد في هذا الخلق؛ فالله سبحانه لم يخلق شيئًا عبَثًا، وإنَّما لكلِّ خلقٍ غايته المُنسجِمة والمتكامِلة مع الغايات الأخرى ومع متطلبات الحياة كلّها.
﴿فَإِذَا جَاۤءَتِ ٱلطَّاۤمَّةُ ٱلۡكُبۡرَىٰ﴾ أصلُ الطامة التي تطمُّ؛ أي: تغطّي ما تحتها، وتُطلَقُ على الحوادث الجسام، وهي هنا بمعنى الساعة التي هي الحدث الذي يغطي كلّ حدثٍ, والنازلة التي تغطي كلّ نازلةٍ، ثم سمَّاها الكبرى تأكيدًا لهذا المعنى.
﴿یَوۡمَ یَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَـٰنُ مَا سَعَىٰ﴾ أي: في ذلك اليوم؛ يوم يتذكَّرُ الإنسان سيرته الكاملة، وأعماله التي عملها في هذه الحياة؛ لأنّها ستكون مناطَ فوزه أو خسارته.
﴿وَءَاثَرَ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا﴾ أي: غلَّبَ الدنيا على الآخرة، فنسي الآخرة ولم يعمل لها عملها.
﴿فَإِنَّ ٱلۡجَحِیمَ هِیَ ٱلۡمَأۡوَىٰ﴾ أي: هي مأواه ومقرّه وسكناه.
﴿وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ﴾ أي: وأمَّا مَن خاف ربّه، وذكر المقام هنا إشارة إلى معرفة هؤلاء الصفوة بمقام ربِّهم وما يجب في حقِّه سبحانه، بمعنى أنّه خوفٌ ناتجٌ عن معرفةٍ، وليس عن جهلٍ وتقليدٍ.
﴿وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ﴾ أي: نهى نفسَه عمّا تهواه من التمادي في الغفلة والباطل، والتخلِّي عن المسؤوليّة، وشهوة التكبُّر والمُراءاة، والمحافظة على الجاه، والظهور بالمظهر المرغوب بين الناس ولو كان على حساب الحقِّ، وكلمة الحقِّ، وهذا من شرِّ أسباب الضلالة وأدومها، وقد يَلْتبِس الهوى بمظهر الحقِّ خاصَّةً عند المتحدِّثين باسم الله، الذين يُظاهِرون الظالمين بتخريج الفتوى على مقاسهم ورغباتهم، والعياذ بالله.
﴿فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِیَ ٱلۡمَأۡوَىٰ﴾ أي: هي المقرُّ والسكن الدائم لأولئك الخائفين من الله، الناهِين أنفسهم عن هواها.
﴿یَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَیَّانَ مُرۡسَىٰهَا﴾ أي: يسألونك عن وقت الساعة، ومتى ترسُو عندهم؟ كأنّها سفينةٌ قادمةٌ نحوهم، ولا يعرفون وقت وصولها، وهذا السؤال إن كان من المؤمنين فلشدَّة خشيتهم منها، وإن كان من الكافرين المكذِّبين فهو على سبيل الاستهزاء والسخرية، ولا يبعُد أن يصدر مثل هذا السؤال من الفريقَين، والله أعلم.
﴿فِیمَ أَنتَ مِن ذِكۡرَىٰهَاۤ﴾ أي: ما لك ولذكرها! بمعنى أنّه لا علاقة لك بذكر وقتها؛ لأنّ هذا عِلمه إلى الله وحده؛ ولذلك قال بعدها: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَىٰهَاۤ﴾.
﴿إِنَّمَاۤ أَنتَ مُنذِرُ مَن یَخۡشَىٰهَا﴾ تأكيدٌ أنّ مهمّته ﷺ ليست إخبارهم بوقت الساعة، وإنّما مهمته إنذارهم وتحذيرهم منها لكي يستعدُّوا لها، ويتأهَّبُوا لملاقاتها.
﴿كَأَنَّهُمۡ یَوۡمَ یَرَوۡنَهَا لَمۡ یَلۡبَثُوۤاْ إِلَّا عَشِیَّةً أَوۡ ضُحَىٰهَا﴾ بمعنى أنّ الساعة آتيةٌ لا محالة في أجَلِها المُحدَّد طالَت الحياةُ أم قصُرَت، وأنَّهم عندما يرَونها ستتضاءل في أعينهم هذه الحياة الدنيا حتى كأنّها لم تكن سوى بعض يومٍ؛ ليلة أو ضَحْوة، وهذه هي حقيقة الدنيا أيضًا أمام الآخرة التي لا حدّ ولا نهاية لها.