سورة البروج تفسير مجالس النور الآية 1

وَٱلسَّمَاۤءِ ذَاتِ ٱلۡبُرُوجِ ﴿١﴾

تفسير مجالس النور سورة البروج

المجلس التاسع والسبعون بعد المائتين: وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود


سورة البروج


في خِضَمِّ الصراع بين التوحيد والوثنية، وتعرُّض المُستضعَفين من المؤمنين؛ كبلال وخبَّاب وسُميَّة وعمَّار لأنواع العذاب والاضطهاد، تنزِل هذه الآيات الهاديات لتُخفِّفَ عن هؤلاء المُستضعفين بذِكر نموذجٍ مما تعرَّض له إخوانهم الأسبَقون على طريق الدعوة؛ ليكون لهم أسوة حسنة في الثبات والصبر، مع التأكيد أنَّ الدنيا مهما طالَت فهي ليست نهاية المطاف، بل هناك حياةٌ أخرى أكبر وأدوم، هناك سينتصِف المَظلومون ممَّن ظلَمَهم، وسيندم الظالمون ويتمنَّون أن لو كانوا مكان هؤلاء المظلومين.
أولًا: يُقسِمُ الله ـ في مُستهلِّ هذه السورة بالسماء وما فيها من بُروجٍ، وبالآخرة وما فيها من وعدٍ ووعيدٍ، وبالحساب وما فيه من شاهدٍ ومشهودٍ؛ لتأكيد أنّ المُقْسَم عليه أمرٌ عظيمٌ وخطيرٌ ﴿وَٱلسَّمَاۤءِ ذَاتِ ٱلۡبُرُوجِ ﴿١﴾ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡمَوۡعُودِ ﴿٢﴾ وَشَاهِدࣲ وَمَشۡهُودࣲ﴾.
ثانيًا: تعرِض السورة جوابًا على هذا القَسَم العظيم نموذجًا للفئة المؤمنة الصابرة والمحتسبة وهي تتعرّض لأبشع أنواع التعذيب؛ حيث يقوم الطغاة المُجرِمون بحَفر أخاديد النار، ثم يُحضِرون حولها المؤمنين رجالًا ونساءً فيرمُونهم فيها، فيقضُون حرقًا ولم يَنجُ منهم أحدٌ، وتصعَد أرواحهم الطاهرة تشكُو إلى بارئها ظلمَ الإنسان لأخيه الإنسان ﴿قُتِلَ أَصۡحَـٰبُ ٱلۡأُخۡدُودِ ﴿٤﴾ ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلۡوَقُودِ ﴿٥﴾ إِذۡ هُمۡ عَلَیۡهَا قُعُودࣱ ﴿٦﴾ وَهُمۡ عَلَىٰ مَا یَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ شُهُودࣱ ﴿٧﴾ وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّاۤ أَن یُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡحَمِیدِ ﴿٨﴾ ٱلَّذِی لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ شَهِیدٌ﴾.
ثالثًا: تُبيِّنُ الصورة عاقبة أولئك المجرمين الظالمين وما ينتظرهم في ذلك اليوم الموعود ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِ ثُمَّ لَمۡ یَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِیقِ﴾.
رابعًا: ثم تُبيِّنُ عاقبة أولئك المؤمنين المظلومين ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمۡ جَنَّـٰتࣱ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُۚ ذَ ٰ⁠لِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡكَبِیرُ﴾.
خامسًا: تُذكَّرُ السورة بصفات الله العليَّة التي تُنذِر الظالمين وتُبشِّرُ المظلومين ﴿إِنَّ بَطۡشَ رَبِّكَ لَشَدِیدٌ ﴿١٢﴾ إِنَّهُۥ هُوَ یُبۡدِئُ وَیُعِیدُ ﴿١٣﴾ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلۡوَدُودُ ﴿١٤﴾ ذُو ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡمَجِیدُ ﴿١٥﴾ فَعَّالࣱ لِّمَا یُرِیدُ﴾.
سادسًا: ثم تُذكِّرُ بعاقبة الطغاة الهالكين ﴿هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِیثُ ٱلۡجُنُودِ ﴿١٧﴾ فِرۡعَوۡنَ وَثَمُودَ﴾.
سابعًا: ثم تلتَفِتُ السورة إلى الواقع المكّي، وحال المشركين وهم يُكذِّبون بهذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿بَلِ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ فِی تَكۡذِیبࣲ ﴿١٩﴾ وَٱللَّهُ مِن وَرَاۤىِٕهِم مُّحِیطُۢ ﴿٢٠﴾ بَلۡ هُوَ قُرۡءَانࣱ مَّجِیدࣱ ﴿٢١﴾ فِی لَوۡحࣲ مَّحۡفُوظِۭ﴾.


﴿وَٱلسَّمَاۤءِ ذَاتِ ٱلۡبُرُوجِ﴾ البروج: جمع بُرْج، وهو: المنزل الكبير المشرف، والعرب تسمِّي مواقع الأفلاك: بروجًا، وهذه البروج تتغيَّر في الصيف والشتاء بحسب حركة الأفلاك ودورانها.
﴿وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡمَوۡعُودِ﴾ هو يوم القيامة.
﴿وَشَاهِدࣲ وَمَشۡهُودࣲ﴾ الأقرب للسياق أنَّه على صلةٍ باليوم الموعود؛ فالشاهد من يشهَد على الإنسان في ذلك اليوم، والمشهود كتابه الذي يُحصِي عليه كلّ ما قدَّم من خيرٍ أو شرٍّ، ثُمَّ إنّ التذكير بالحساب مناسبٌ لقصة الأخدود وما جرى فيها من بشاعةٍ وظلمٍ.
﴿قُتِلَ أَصۡحَـٰبُ ٱلۡأُخۡدُودِ﴾ هذه صيغةٌ من صيَغ التقريع والتوبيخ، وقد جاءت جوابًا للقسَم؛ تهويلًا لها، وتنبيهًا على خطرها، وأصلها دعاءٌ بالهلاك، وليست خبرًا، وأصحاب الأخدود هم: الطواغيت الذين قاموا بشقِّ الأرض وحفرها، وإضرام النيران فيها لحرق مجموعةٍ من المؤمنين مِمَّن كانوا على النصرانيَّة، وكان ذلك قبل الإسلام، كما تنصُّ الأخبار والأحاديث الواردة.
﴿ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلۡوَقُودِ﴾ الوَقود: ما توقد به النار من حطبٍ ونحوه، والمقصود أنَّها نارٌ مستعرةٌ بكثرة وقودها، وهي النار التي أضرَمَها الطغاة في الأخدود ليحرقوا بها المؤمنين.
﴿إِذۡ هُمۡ عَلَیۡهَا قُعُودࣱ﴾ الضمير ﴿هُمۡ﴾ يعود إلى أولئك الطغاة، والمعنى أنَّهم مُلازمون للأخدود حتى لا يكون هناك تهاوُنٌ في تنفيذ الجريمة، أو أنَّ واحدًا من المُنفِّذين يرِقُّ قلبه لكبيرٍ أو صغيرٍ، أو حاملٍ أو مُرضِعٍ.
﴿وَهُمۡ عَلَىٰ مَا یَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ شُهُودࣱ﴾ أي: حضور، وفيه تأكيدُ إصرارهم على مُتابعة التنفيذ، ومُحاسبة من تُحدِّثه نفسه من الجنود بالتهاونِ أو التردُّدِ.
﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّاۤ أَن یُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡحَمِیدِ﴾ هذا لبيان فظاعة الجرم الذي ارتكبه أولئك الطغاة؛ فالمؤمنون الذين بين أيديهم لم يرتكِبُوا جنايةً تستوجِبُ العقاب، ولم يصدُر منهم ما يُسيءُ إليهم سِوَى أنَّهم مُوحِّدون لله، مُستمسكون برسالته، وفي هذا تعريضٌ بالظلم الواقع من قِبَل المشركين في مكّة على المُستضعَفين من المؤمنين، والقصة كلّها بهذا السياق.
﴿ٱلَّذِی لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ شَهِیدٌ﴾ فيه تمجيدٌ لله تعالى، وتحقيرٌ لأولئك الطغاة الذين يظنون أنّهم ملكوا الدنيا بجبروتهم وقوتهم، وفيه تهديدٌ لهم؛ فإذا كانوا يشهدون عذاب المؤمنين، فالله شهيدٌ عليهم، وكفى به شهيدًا.
وفي هذا أيضًا إشارة إلى أنَّ ما جرى للمؤمنين كان وفق سُننه سبحانه، وتحت علمه وحكمه، فحينما تختلُّ موازين القوى فيأكل القويُّ الضعيف، والغنيُّ الفقير، فإنَّ القَدَرَ لا يتدخَّل لدفع الظلم وتحقيق العدل؛ لأنَّ الدنيا ليست دارًا للعدل، بل هي دارُ الاختبار والامتحان، والعدل فيها مسؤوليَّة البشر التي سيُحاسَبون عليها، وليست مسؤوليَّة القَدَر، وفي هذا تعليمٌ للمؤمنين أن يعدُّوا عُدَّتهم لحماية أنفسهم ودعوتهم وفق عالَم الأسباب والسُّنن، وألا يُغَرِّروا بأنفسهم باعتمادهم على المعجزات وخوارِق العادات، والله أعلم.
﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِ ثُمَّ لَمۡ یَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِیقِ﴾ بيانٌّ لعاقبة أولئك الأشرار، وأنَّهم سيُحرَّقون بالنار جزاءً وفاقًا على ما فعلوه بالمؤمنين، وهنا وفي وسط هذا التهديد والوعيد يفتح القرآن منفذًا للرحمة وللنجاة من هذه العاقبة البئيسة حتى لأولئك الأشقياء ﴿ثُمَّ لَمۡ یَتُوبُواْ﴾ فلو تابُوا لكان لهم شأنٌ آخر، وهذا ترغيبٌ لأهلِ مكَّة بالتوبة والإنابة إليه تعالى.
﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمۡ جَنَّـٰتࣱ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُۚ ذَ ٰ⁠لِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡكَبِیرُ﴾ هذه هي عاقبة المؤمنين الصابرين المحتسبين، هذا وعدُ الله الجميل لهم، الذي يُقابِل ذلك الوعيد الشديد لأعدائهم، وهناك سيُرَى الفائز من الخاسر، وسيكون الناس أمام هذه الحقيقة الكبرى التي يتضاءَل أمامها كلّ ما كان في الدنيا من عذابٍ أو نعيمٍ.
﴿إِنَّ بَطۡشَ رَبِّكَ لَشَدِیدٌ﴾ أي: إنَّ أَخْذه للظالمين إذا أخذهم سيكون قويًّا شديدًا.
﴿إِنَّهُۥ هُوَ یُبۡدِئُ وَیُعِیدُ﴾ بمعنى أنَّه سبحانه هو المُتفرِّد في حُكم هذا الكون في مُبتداه وفي مُنتهاه، منه بدأ وإليه يعود، يغفِرُ لمَن يشاء، ويعذِّبُ مَن يشاء، وليس للظالمين في هذا الخلق وهذا الملك نصيب.
﴿وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلۡوَدُودُ﴾ صفتان من صفات الله تعالى، أمَّا الغفور: فكثيرُ المغفرة والستر على عباده، وأمَّا الودود: فكثير التودُّد لعباده؛ لأنَّهم صنعَتُه، فالله يحبُّ خلقه ولا يكرَهُهم، على خلاف ما يظنُّ بعض الذين يظنُّون بالله ظنَّ السوء.
﴿ذُو ٱلۡعَرۡشِ﴾ أي: خالقه، وخصَّ العرش بالذكر؛ تنبيهًا لعظمته، وهو مُشعِرٌ كذلك بعظيم مُلكه تعالى وحكمه وسلطانه على خلقه.
﴿ٱلۡمَجِیدُ﴾ صفةٌ أخرى لله ، ومعناها: العظيم.
﴿فَعَّالࣱ لِّمَا یُرِیدُ﴾ فله سبحانه الإرادة المطلقة، وله وحده حقُّ التصرُّف في هذا الخلق بحُكم أنَّه المُتفرِّد في إنشائِه من العدم، والمُتفرِّد في مُلكِه، والمُتفرِّد برعايته والعناية به.
﴿هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِیثُ ٱلۡجُنُودِ ﴿١٧﴾ فِرۡعَوۡنَ وَثَمُودَ﴾ هذا تذكيرٌ خاطِفٌ بعاقبة الطغاة على اختلافهم واختلاف أقوامهم، وقد ذكَرَ نموذَجَين: الدولة والقبيلة، لتتّسِع دائرة العبرة والاتعاظ.
﴿بَلِ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ فِی تَكۡذِیبࣲ﴾ هؤلاء هم كفَّار مكّة المُكذِّبون برسالة محمدٍ ﷺ، وقد ربَطَهم القرآن بنماذِج الطغاة السابقين: فرعون، وثمود، وأصحاب الأخدود.
﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَاۤىِٕهِم مُّحِیطُۢ﴾ أي: هو العالِم بهم سبحانه، والمُقتدِر عليهم، ولن يفلِتوا من عذابه الذي ينتظرهم مهما غرِقُوا في لهوهم وغفلتهم، و﴿ﯪ ﯫ﴾ إشارةٌ إلى هذا العذاب الذي ينتظرهم من بعد انتِهاء مُهلتهم وأجَلهم الذي قدَّره الله لهم.
﴿بَلۡ هُوَ قُرۡءَانࣱ مَّجِیدࣱ﴾ أي: عظيم، وفيه ردٌّ على تكذيبهم المتقدِّم.
﴿فِی لَوۡحࣲ مَّحۡفُوظِۭ﴾ ذاك من عالم الغيب الذي أودَعَ فيه القرآن الكريم قبل نزوله على قلب نبيِّنا محمدٍ ﷺ، والإخبار عنه لتأكيد حفظ القرآن من كلِّ زيادةٍ أو نقصٍ، وللإشارة إلى عظمته ورفعته وعلوِّ شأنه.