سورة الأعلى تفسير مجالس النور الآية 1

سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى ﴿١﴾

تفسير مجالس النور سورة الأعلى

المجلس الحادي والثمانون بعد المائتين: قد أفلح من تزكَّى


سورة الأعلى


تتناوَل سورة الأعلى تنزيهَ الباري سبحانه الذي خلق هذا الكون فأبدَعَه، والذي أنزل هذا القرآن فجعله ذكرى لمن يتذكَّر، وتزكيةً لمن يتزكَّى، وحُجَّةً على من كذَّب وتولَّى، وكما يأتي:
أولًا: تستهِلُّ السورة بتسبيحِ الله ـ الذي ظهَرَت دلائل وحدانيَّته وقُدرته في هذا الخلق البديع ﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى ﴿١﴾ ٱلَّذِی خَلَقَ فَسَوَّىٰ ﴿٢﴾ وَٱلَّذِی قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴿٣﴾ وَٱلَّذِیۤ أَخۡرَجَ ٱلۡمَرۡعَىٰ﴾.
ثانيًا: ثُمَّ يتعهَّد الله تعالى أن يحفَظ هذا القرآن في صدر نبيِّه الكريم ﷺ ليُذكِّرَ به الناسَ كما أنزَلَه الله عليه، ويُرشِدهم إلى ما فيه الخير لهم، والتيسير عليهم ﴿سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰۤ ﴿٦﴾ إِلَّا مَا شَاۤءَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ یَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا یَخۡفَىٰ ﴿٧﴾ وَنُیَسِّرُكَ لِلۡیُسۡرَىٰ ﴿٨﴾ فَذَكِّرۡ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ﴾.
ثالثًا: تشرَحُ السورة اختِلافَ الناس في هذه الدعوة بين تقيٍّ نقيٍّ مُجتهدٍ في تفكيره وتزكيته لنفسه، مُطيعٍ لربِّه مُؤثِرٍ لآخرته، وبين شقيٍّ آثَرَ الدنيا وبهرَجها، وتجنَّبَ طريق الهدى والصلاح؛ فأكبَّه الله في النار ﴿سَیَذَّكَّرُ مَن یَخۡشَىٰ ﴿١٠﴾ وَیَتَجَنَّبُهَا ٱلۡأَشۡقَى ﴿١١﴾ ٱلَّذِی یَصۡلَى ٱلنَّارَ ٱلۡكُبۡرَىٰ ﴿١٢﴾ ثُمَّ لَا یَمُوتُ فِیهَا وَلَا یَحۡیَىٰ ﴿١٣﴾ قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ﴿١٤﴾ وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ ﴿١٥﴾ بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا ﴿١٦﴾ وَٱلۡـَٔاخِرَةُ خَیۡرࣱ وَأَبۡقَىٰۤ﴾.
رابعًا: تُذكِّر السورةُ أن ما ورَدَ فيها من تعظيمٍ لله، وتذكيرٍ للناسِ ودَعوَتهم للخير، وتحذيرِهم من الشرِّ قد ورَدَ مثلُه في الرسالات السماويَّة السابقة، في إشارةٍ لوحدة هذه الرسالات في مصدرها ومبادئها وغاياتها الكليَّة ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَفِی ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ ﴿١٨﴾ صُحُفِ إِبۡرَ ٰ⁠هِیمَ وَمُوسَىٰ﴾.


﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى﴾ أَمْرٌ بتنزيهِ الله تعالى عن كلِّ ما لا يَلِيق به، والتسبيح مُتضمِّنٌ التعظيم والإيمان بأسمائه تعالى الحسنى وصفاته العَليَّة، وقد شرَّعَ الله له ذِكرًا خاصًّا، وهو قول: (سبحان الله) أو (سبحان ربي الأعلى)، ونحوهما.
﴿ٱلَّذِی خَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾ أي: هو سبحانه الذي خلق الخلق فأتمَّه وأتقَنَه.
﴿وَٱلَّذِی قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾ أي: هو سبحانه الذي قدَّر الأشياء بأشكالها وأحجامها وخصائصها، ثم هداها لما خلقها له؛ فالشمس لها وظيفتها في هذه الحياة، وكذلك القمر وسائر النجوم والكواكب، وفي الأرض كذلك الماء والهواء، والأنعام والنبات، وكلّ شيءٍ صغيرًا أو كبيرًا، وخَلْقُ الإنسان أدقُّ وأكمَل؛ فكلُّ عضوٍ فيه مُسخّر لوظيفته حتى جفن العين ودقَّة شُعَيراته الصاعِدة والنازِلة، فهذه كلّها مُقدَّرَة في أصل النشأة، ومهديَّة لوظيفتها ضمن الصورة الكليَّة المُتكاملة والمُتناسِقة.
﴿وَٱلَّذِیۤ أَخۡرَجَ ٱلۡمَرۡعَىٰ﴾ أي: هو الذي أنزل الماء من السماء فأنبت به أصنافَ النبات والعُشب الكثير الذي ترعاه الأنعام، وقد ذكر هذا على سبيل الامتِنان؛ إذ الماء والنبات والأنعام كلّها تشترك في خدمة هذا الإنسان وسدّ حاجاته، وهذه صورةٌ من صور التنسيق والتكامُل العجيب في هذا الخلق.
﴿فَجَعَلَهُۥ غُثَاۤءً أَحۡوَىٰ﴾ أي: ثم يتحوَّل ذلك العُشب بعد أن ييبَس إلى غُثاءٍ وهشيمٍ لا نضرة فيه، ولا قيمة له، ويتغيَّر لونه بعد أن كان زاهيًا إلى لونٍ باهتٍ داكنٍ، وهذه صورةٌ قُصِدَ منها تقريب صورة انتهاء الحياة كلِّها؛ فكلُّ ما نراه فيها من تكاملٍ وتناسقٍ، وحُسنٍ وجمالٍ سيتحوّل إلى موتٍ وحطامٍ، وفي ذلك عبرة لمن يعتبِر.
﴿سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰۤ﴾ هذا تطمِينٌ مِن الله تعالى لنبيِّه ﷺ أنه سيجمع له القرآن في صدره فلا ينساه، وهو تأكيدٌ بتعهُّد الله السابق بحفظ هذا القرآن ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
﴿إِلَّا مَا شَاۤءَ ٱللَّهُۚ﴾ هذا استِثناءٌ لا يستلزِم أنّه ﷺ ينسى شيئًا من القرآن، بل هو استثناءٌ قُصِدَ منه تأكيد إرادة الله المُطلَقة، وأنَّ الأمر لله أولًا وآخرًا؛ فلو شاء سبحانه لما أنزل القرآن أصلًا، ولو شاء لما خلَقَنا من العدم، لكن الله هو الذي شاء كلّ ذلك فكان، فلا ينبغي أن تكون مثل هذه الآية محلّ جدل في قضايا علميَّة دقيقة، كالنسخ واحتمالاته وأنواعه؛ إذ السياق مختلف تمامًا، والله أعلم.
﴿إِنَّهُۥ یَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا یَخۡفَىٰ﴾ تأكيدٌ لعلمه الشامل سبحانه في ظواهر الأمور وبواطنها، وفائدة التذكير بهذه الصفة العزيزة من صفات الله تأكيد طمأنة الله لنبيِّه ﷺ بحفظ هذا القرآن، فالله عالِمٌ بما يتذكّره النبيُّ ﷺ وبما ينساه.
﴿وَنُیَسِّرُكَ لِلۡیُسۡرَىٰ﴾ في شؤونك كلّها، والمناسبة هنا أنّه لا يشقُّ على نفسه بتكلُّفِ حفظ القرآن والمُسارعة فيه، وفي الآية إشارة منهجيَّة إلى هذه الدعوة المباركة أنّها دعوة تيسير لا تعسير، وتبشير لا تنفير؛ فهي الرحمة الشاملة والعامة لكلّ العالمين، ونبيُّها هو نبيُّ الرحمة ﷺ ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء: 107].
﴿فَذَكِّرۡ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ﴾ هذا أمرٌ إلهيٌّ لرسولِ الله ﷺ ولكلِّ مؤمنٍ مِن بعده أن يُذكِّرَ الناس بهذا القرآن ويدعوهم إليه.
وأمَّا قوله: ﴿إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ﴾ فليس شَرطًا احترازيًّا؛ إذ الداعية لا يُمكِنه معرفة من ينتفع به ومن لا ينتفع، ثُمّ الذي لا ينتفع لا بُدّ أن تبلُغه الدعوة لتقوم عليه الحُجَّة، بل صيغة الشرط هذه قُصِدَ منها التنبيه إلى أنَّ هناك مَن لا ينتفع بالدعوة وأنَّه سيتجنَّبُها، بل سيُواجهها؛ كلّ ذلك ليكون الداعية مُستعدًّا لهذه الاحتمالات، فلا يُصدَم بطبائع الناس واختلافاتهم.
وغاية ما في هذه الإشارة أنّ الداعية عليه ألا ينشغل بالمُعانِدين الذين بلَغَتْهم الدعوة فاتخذوا منها موقفًا معاديًا، فهناك مَن هو أَولَى منهم، ثُمّ إنّ التعلُّقَ بهؤلاء المُعانِدين والاستمرار بتذكيرهم قد يُوقِعُ في الشرِّ والصدام الذي لا تُحمَدُ عقباه، والله أعلم.
﴿سَیَذَّكَّرُ مَن یَخۡشَىٰ﴾ فهؤلاء الذين ينتفِعُون بالذكرى، وهم الذين يحسِبون العواقب، ويتفكَّرون بمصيرهم وعاقبة أمرهم.
﴿وَیَتَجَنَّبُهَا ٱلۡأَشۡقَى﴾ ذلك الغافل الذي اتخذ حياته لهوًا ولعبًا؛ فلا يستمع لموعظةٍ، ولا ينتبه لآية، ولا تنفعه الذكرى.
﴿ٱلَّذِی یَصۡلَى ٱلنَّارَ ٱلۡكُبۡرَىٰ﴾ هي نار الآخرة، وهذا وعيدٌ لأولئك الغافلين والمعاندين.
﴿ثُمَّ لَا یَمُوتُ فِیهَا وَلَا یَحۡیَىٰ﴾ لا يموت فينتهي عذابه، ولا يحيا الحياة التي يُريدها ويطمع بها.
﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ أي: قد فاز من انتفع بهذه الذكرى، وقوَّم نفسه وهذَّبها، وغلَّب عناصر الخير فيها على شهواتها ونزَوَاتها.
﴿وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ﴾ إشارةٌ إلى أهمية الذِّكر في تزكيةِ النفس، وما الصلاة إلَّا ذِكرٌ أيضًا ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِیۤ﴾ [طه: 14].
﴿بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا﴾ لأنَّ الإنسان يتعلَّق بالعاجل القريب ولو كان هو الأدنى والأقل، هذه طبيعةٌ عامَّةٌ في البشر، وأمَّا الكافر فإنَّه يتعلق بالدنيا تعلُّقًا تامًّا؛ لأنَّه لا يُؤمن بغيرها.
﴿وَٱلۡـَٔاخِرَةُ خَیۡرࣱ وَأَبۡقَىٰۤ﴾ إرشادٌ للعباد وترغيبٌ لهم في الآخرة؛ لأنَّها الخير الذي لا يُقاس به خير الدنيا؛ ولأنَّها الأبقَى التي لا يُقاس ببقائها عمر الدنيا.
﴿إِنَّ هَـٰذَا لَفِی ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ ﴿١٨﴾ صُحُفِ إِبۡرَ ٰ⁠هِیمَ وَمُوسَىٰ﴾ تذكيرٌ بعُمق هذه الرسالة، وصِلَتها ببقية الرسالات، والتنبيه إلى أفضليَّة هذَين النبيَّين الكريمَين، وقُربهما من هذه الرسالة ومضمونها على نبيِّنا وعليهما الصلاة والسلام.