سورة الشرح تفسير مجالس النور الآية 1

أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ ﴿١﴾

تفسير مجالس النور سورة الشرح

المجلس الثامن والثمانون بعد المائتين: ورفعنا لك ذكرك


سورة الشرح


تكاد تكون هذه السورة مُتمِّمةً لسابقتها، فبعد قول الله تعالى هناك: ﴿أَلَمۡ یَجِدۡكَ یَتِیمࣰا فَـَٔاوَىٰ ﴿٦﴾ وَوَجَدَكَ ضَاۤلࣰّا فَهَدَىٰ ﴿٧﴾ وَوَجَدَكَ عَاۤىِٕلࣰا فَأَغۡنَىٰ﴾ عاد هنا ليقول له: ﴿أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ ﴿١﴾ وَوَضَعۡنَا عَنكَ وِزۡرَكَ﴾؛ ولذلك فإنَّ محور السورة لا يختلِف عن سورة الضحى؛ حيث تأكيد عناية الله تعالى بنبيِّهِ ﷺ، وكما يأتي:
أولًا: في مُستهلِّ السورة، عدَّدَ اللهُ ـ نِعَمَهُ على نبيِّهِ ﷺ بأنْ شَرَحَ صدرَه بنور الوحي، وأزالَ عنه ما كان يُشغِله ويُقلِقُه في أمر هذه الدعوة ومُستقبلها، ثُمَّ رفع ذِكره في العالمين؛ إيذانًا أيضًا برفع منار هذه الدعوة وانتشارها ورسوخها حتى يرِثَ الله الأرض ومَن عليها ﴿أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ ﴿١﴾ وَوَضَعۡنَا عَنكَ وِزۡرَكَ ﴿٢﴾ ٱلَّذِیۤ أَنقَضَ ظَهۡرَكَ ﴿٣﴾ وَرَفَعۡنَا لَكَ ذِكۡرَكَ﴾.
ثانيًا: ثُمّ بشَّره الله ـ بأنّه سيُيسِّرَ له كلّ عسيرٍ، فلا يعرِض له عُسْرٌ إلَّا وأعقبه اليُسر ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرًا ﴿٥﴾ إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرࣰا﴾ ولقد كان له ذلك ﷺ في كلِّ مراحل دعوته المباركة؛ قبل الهجرة، وفي الهجرة، وبعد الهجرة، فما مرَّت به مِحنة إلَّا وأعقبَتْها مِنحة، ولا عرَضَ له عُسْرٌ إلَّا وأعقَبَه يُسْر، والظنُّ أنَّ هذا لأُمَّته من بعده إنْ هي أخَذَت بهَديِه، وتمسَّكت بسُنَّته.
ثالثًا: ثُمَّ رغَّبَه بالتزوُّد من الطاعات شكرًا له سبحانه، وطلبًا لمزيدِ فضله وعطائه ﴿فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ ﴿٧﴾ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب﴾.


﴿أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ﴾ استِفهامٌ تقريريٌّ يُقصَدُ به تأكيد الفعل الواقِع بعده، فيكون بمعنى: لقد شرَحنا لك صدرك، مع إضافة معنى الامتِنان المستوجِب للشكر، وشَرح الصدر معناه: إزالة الضيق عنه بما نوَّره الله به من نور الوحي، وإتمام النعمة برفع الدرجات، وبلوغ الكمالات، وكثرة البشارات.
﴿وَوَضَعۡنَا عَنكَ وِزۡرَكَ ﴿٢﴾ ٱلَّذِیۤ أَنقَضَ ظَهۡرَكَ﴾ يطلق الوِزْر على معنيَين: الثِّقَل، والذنب، والأوَّل أنسَب مع قوله: ﴿وَوَضَعۡنَا﴾، وقوله: ﴿ٱلَّذِیۤ أَنقَضَ﴾ أي: أثقَلَه، والمُعتاد اقتِران المغفرة أو العفو مع الذنب وليس الوضع.
ثُمَّ إنَّه ﷺ لم يُعرَف عنه أنَّه كان مهمومًا كلّ هذا الهمّ بسبب ذنبٍ ارتكبه، بل المعروف اهتمامه بأمر هذا الدين وما يُواجهه من عقَبَات؛ ولذلك جاءت البشارة المؤكّدة ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرًا ﴿٥﴾ إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرࣰا﴾ وهذه قرينةٌ ثالثةٌ أنَّ الوِزر الذي كان يثقل ظهره ﷺ إنَّما هو ما يراه من إعراض قومه عنه، ووقوفهم بوجه دعوته، وتعذيبهم لأصحابه، حتى كأنَّ الطُّرُق قد أُقفِلَت كلّها أمامه، فيكون وضع هذا الوِزر بالبشارات المؤكّدة بانتشار هذا الدين والتمكين للمؤمنين، والله أعلم.
﴿وَرَفَعۡنَا لَكَ ذِكۡرَكَ﴾ في الملأ الأعلى، وفي أرجاء هذه الأرض؛ فلا يُؤذِّن مُؤذِّن إلَّا ذَكَرَ اسمه الشريف مقرونًا باسم ربِّه الكريم، ولا صلَّى مُصلٍّ، أو دعَا داعٍ، أو ذكَرَ ذَاكِرٌ إلا ذكَرَه وصلَّى وسلَّم عليه، فعَليه أفضل الصلاة والسلام، وفي هذا إعلامٌ أيضًا بانتشار هذا الدين وبلوغه أرجاء العالمين.
﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرًا ﴿٥﴾ إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرࣰا﴾ هذا تأكيدٌ لفظيٌّ بتكرار العبارة، ومُفاده تأكيد ورود اليُسر على كلِّ عسرٍ.
﴿فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ﴾ أي: إذا أنهَيتَ ما كنت مُشتغلًا به، فاشتَغِل بعملٍ آخر؛ فليس عند السائرين إلى الله فراغ، فهم في عملٍ دَؤوبٍ ومُسارعةٍ إلى الطاعات لا تفتر.
﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب﴾ أي: ألقِ حاجاتِك كلّها بباب مَولاك، وتوكَّل عليه وحده فيما يهمّك أمره، أو ترجُو نوالَه.