سورة البينة تفسير مجالس النور الآية 1

لَمۡ یَكُنِ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِینَ مُنفَكِّینَ حَتَّىٰ تَأۡتِیَهُمُ ٱلۡبَیِّنَةُ ﴿١﴾

تفسير مجالس النور سورة البينة

المجلس الثاني والتسعون بعد المائتين: حتى تأتيهم البيِّنة


سورة البينة


تتناول هذه السورة موقِفَ الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين من هذه الرسالة المباركة، وكيف أنَّها إنَّما جاءت لتبيِين الحقّ لهم، وإرشادهم إلى ما فيه صلاحهم، لكنَّهم أضلَّتهم أنفسهم فكفروا بها، فكان عاقبتهم النار، ثم قارَنَت السورة حالَ هؤلاء الكافرين بحال المؤمنين الذين استجابوا لله ولرسوله وعملوا الصالحات، فأدخَلَهم الله في رضوانه، ووعدهم بجنَّاته، وكما يأتي:
أولًا: تذكر السورة حالَ الضلال والتِّيه الذي كان عليه الناس قبل البعثة المحمَّديَّة المباركة؛ إذ كانوا بين مشركٍ عابدٍ لصنمٍ، وبين كتابيٍّ مُتَّبعٍ لأهواء الكهنة والأحبار والرهبان بعد أن زادوا ونقصوا في كتاب ربِّهم، فلم يكن الله ليترُكَهم على هذه الحال، حتى يبعث لهم مَن يُبيِّنُ لهم الحقَّ من الباطل بالحجة الظاهرة، والكتاب المبين الذي لا يأتِيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿لَمۡ یَكُنِ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِینَ مُنفَكِّینَ حَتَّىٰ تَأۡتِیَهُمُ ٱلۡبَیِّنَةُ ﴿١﴾ رَسُولࣱ مِّنَ ٱللَّهِ یَتۡلُواْ صُحُفࣰا مُّطَهَّرَةࣰ ﴿٢﴾ فِیهَا كُتُبࣱ قَیِّمَةࣱ﴾.
ثانيًا: ثم ندّدَت السورة بموقِفِ أهل الكتاب خاصَّة مِن هذه البعثة المحمَّديَّة؛ لأنَّهم كانوا على علمٍ بها، وكانوا ينتظرون النبيَّ الذي بشَّر به أنبياؤهم، وكانوا يستفتِحُون به على المشركين، لكنهم حينما ظهر في غيرهم أطبَقَ عليهم حسدهم، فكذَّبوه وكفروا برسالته، مع أنَّه لم يكن يدعوهم إلى شيءٍ يُخالف أصلَ رسالتهم وما دعاهم إليه أنبياؤهم ﴿وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِینَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَـٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَاۤءَتۡهُمُ ٱلۡبَیِّنَةُ ﴿٤﴾ وَمَاۤ أُمِرُوۤاْ إِلَّا لِیَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَ حُنَفَاۤءَ وَیُقِیمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَیُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَ ٰ⁠لِكَ دِینُ ٱلۡقَیِّمَةِ﴾، وهذا نظيرُ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاۤءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ﴾ [البقرة: 89].
ثالثًا: ثم بيَّنَت السورة عاقبةَ هؤلاء الذين كفروا بهذه الرسالة وكذَّبوا بها ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِینَ فِی نَارِ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤۚ أُوْلَــٰۤىِٕكَ هُمۡ شَرُّ ٱلۡبَرِیَّةِ﴾.
رابعًا: ثم ختَمَت ببيان حال أهل الإيمان وما وعدهم الله به ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُوْلَــٰۤىِٕكَ هُمۡ خَیۡرُ ٱلۡبَرِیَّةِ ﴿٧﴾ جَزَاۤؤُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّـٰتُ عَدۡنࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ أَبَدࣰاۖ رَّضِیَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَ ٰ⁠لِكَ لِمَنۡ خَشِیَ رَبَّهُۥ﴾.


﴿حَتَّىٰ تَأۡتِیَهُمُ ٱلۡبَیِّنَةُ﴾ أي: الرسالة التي تُبيِّنُ لهم الحقَّ من الباطل، وهي رسالةُ المصطفى ﷺ والتي كان يتلوها عليهم ويُبلِّغهم بها
﴿رَسُولࣱ مِّنَ ٱللَّهِ یَتۡلُواْ صُحُفࣰا مُّطَهَّرَةࣰ﴾ وهي مطهّرةٌ؛ أي: محفوظةٌ ومصونةٌ من دسّ الداسّين، وتحريف المحرّفين.
﴿فِیهَا كُتُبࣱ قَیِّمَةࣱ﴾ أي: في هذه الصحف كُتِبت آيات الله القيّمة التي أنزلها على نبيّه، والقيِّمة معناها: العظيمة عند الله بألفاظها ومعانيها، وما حوَتْه من أخبارٍ وتشريعاتٍ تحقّق الخير والعدل والرحمة لهذه البشريَّة.
﴿حُنَفَاۤءَ﴾ جمع حنِيف، وهو: المُتمسِّك بعقيدة التوحيد المفارق للشرك وما يتَّصِل به.
﴿وَذَ ٰ⁠لِكَ دِینُ ٱلۡقَیِّمَةِ﴾ أي: دينُ الشِّرعة والطريقة القيَّمة، أي: العظيمة والمستقيمة.
﴿أُوْلَــٰۤىِٕكَ هُمۡ شَرُّ ٱلۡبَرِیَّةِ﴾ أي: شرُّ الناس.
﴿أُوْلَــٰۤىِٕكَ هُمۡ خَیۡرُ ٱلۡبَرِیَّةِ﴾ أي: خيرُ الناس، وأصلُ البريَّة: البريئة مفعول برَأَ بمعنى: خلق، ومنه اسم الله تعالى البارئ بمعنى الخالق.
﴿جَنَّـٰتُ عَدۡنࣲ﴾ جنَّاتُ إقامةٍ دائمةٍ.