سورة التكاثر تفسير مجالس النور الآية 1

أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ ﴿١﴾

تفسير مجالس النور سورة التكاثر

المجلس الخامس والتسعون بعد المائتين: ألهاكم التكاثر


سورة التكاثر


على صِلةٍ بالقارعة، تأتي سورة التكاثر لتُعالِج حالة الغفلة التي يعيشها الناس في هذه الدنيا بسبب انهماكهم بجمع المال والتنافُس في تكثيره والمباهاة به ﴿أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ﴾ ويُقاس على المال: كلّ متاعٍ دُنيويٍّ؛ من نساءٍ وأولادٍ، وأنصارٍ وأتباعٍ، وجاهٍ وسلطانٍ، ثُمَّ لمّا يَحِين الأجل وينتقل إلى دارٍ ثانيةٍ ليس فيها سوى التراب، آنَذاك سيعلَم عِلمَ اليقين أنَّه كان غافلًا ومغرورًا، وليتَ مسيرته تنتهي عند ذلك التراب، بل سيصطدم بما هو أشدُّ وأدهَى؛ لأنَّ القبر لم يكن دار مقامة بل طريق زيارة ﴿حَتَّىٰ زُرۡتُمُ ٱلۡمَقَابِرَ﴾، ثم تكون الجحيم داره وقراره، أعاذنا الله منها ﴿كَلَّا لَوۡ تَعۡلَمُونَ عِلۡمَ ٱلۡیَقِینِ ﴿٥﴾ لَتَرَوُنَّ ٱلۡجَحِیمَ ﴿٦﴾ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَیۡنَ ٱلۡیَقِینِ﴾، ثم تعود السورة إلى تحذير هؤلاء المُتكاثرين والمتنافسين ﴿ثُمَّ لَتُسۡـَٔلُنَّ یَوۡمَىِٕذٍ عَنِ ٱلنَّعِیمِ﴾.


﴿أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ﴾ أي: أشغَلَكم التكاثُرُ والتنافُسُ في جمع المال ونحوه عن ذِكرِ الآخرة والاستِعداد لها.
﴿حَتَّىٰ زُرۡتُمُ ٱلۡمَقَابِرَ﴾ أي: استمرَّ تكاثُرُكم وتنافُسُكم إلى الساعة التي تَحِين فيها آجالُكم، فتنتقلون إلى مقابِرِكم، وقد شبَّه الذهابَ إلى المقابر بالزيارة؛ لأنَّ المقابر ليست دار مقام، بل هي مرحلة محدودة ثم ينفُذُ منها الناس إلى مقامهم الحقّ؛ في جَنَّةٍ، أو في نارٍ.
﴿كَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ﴿٣﴾ ثُمَّ كَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ﴾ تأكيدٌ متكرِّرٌ أنَّ الناس سيعلَمون الحقيقةَ هناك كما هي دون شكٍّ ولا غفلةٍ؛ لأنَّها ستكون مصيرهم ومقرهم.
﴿كَلَّا لَوۡ تَعۡلَمُونَ عِلۡمَ ٱلۡیَقِینِ﴾ هذا شرطٌ اعتراضيٌّ جِيءَ به دون جوابٍ حتى تذهب الأذهانُ فيه كلّ مذهب؛ مما يزيدُ في حالة القلق والاضطراب المُلجِئ إلى التفكير الجادّ، والبحث عن طريق الخلاص.
﴿لَتَرَوُنَّ ٱلۡجَحِیمَ﴾ هذا تأكيدٌ ثالِثٌ لقوله: ﴿كَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ﴾ وهو تأكيدٌ معنويٌّ، وليس جوابًا لِـ ﴿لَوۡ﴾؛ لأنَّ الرؤية هي من العِلم الذي هو فِعلُ الشرط، فلا تصحُّ جوابًا له إلَّا بتأويلٍ بعيدٍ.
﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَیۡنَ ٱلۡیَقِینِ﴾ هذا تأكيدٌ رابعٌ، وهذه المؤكِّدات لها غاية واحدة، وهي أن تنتزِع هذه القلوبَ من رَقدتها وغفلتها لتنبّهِها إلى تلك الحقيقة القادِمة والآتِية في الطريق طالَت الأيَّام والساعات أم قصُرَت.
﴿ثُمَّ لَتُسۡـَٔلُنَّ یَوۡمَىِٕذٍ عَنِ ٱلنَّعِیمِ﴾ أي: لتُسألنَّ ولتُحاسبنَّ عن هذا الذي تكاثَرتُم به وتنافَستُم عليه.