سورة الشعراء تفسير مجالس النور الآية 1

المجلس الستون بعد المائة: مقدمة في دعوة نبيِّنا ﷺ


من الآية (1- 9)


تستهلُّ سورةُ الشعراء بومَضَاتٍ سريعةٍ عن تلك الدعوة المباركة التي بدأ بها نبيُّنا الكريم ﷺ في مكَّة المكرَّمة، وما كان يعمُر قلبه الشريف من حِرصٍ على الهداية ومحبَّة الخير والصلاح لكل الناس، ثم تختتم السورة بهذه الدعوة أيضًا، ولكن بشيءٍ مِن التفصيل والتوسُّع، مع توجيهاتٍ دعويَّة وتربويَّة له ﷺ، ولتلك الثُّلَّة المؤمنة التي اختارَها الله لنبيِّه في تلك المرحلة التأسيسيَّة التي شكَّلَت هويَّة الأمة، وتأريخها، وجغرافيتها.
وبين الاستهلال والخِتام يعرِضُ القرآن لسلسلةٍ مِن التجارب الدعوية التي قادَها النبيُّون السابِقُون على نبيِّنا وعليهم الصلاة والسلام، في تأكيدٍ مُستمرٍّ أنَّ هذه الدعوات إنما هي دعوةٌ واحدةٌ، وأنَّ هذه الرسالات إنما هي رسالةٌ واحدةٌ.
أما الوَمَضاتُ السريعةُ التي جاءت في فواتِحِ هذه السورة فهي كالآتي:
أولًا: تأكيد أن هذه الدعوة تستَنِدُ إلى مصدرٍ موثوقٍ وواضِحٍ لا لبسَ فيه ولا غُموض ﴿تِلۡكَ ءَایَـٰتُ ٱلۡكِتَـٰبِ ٱلۡمُبِینِ﴾.
ثانيًا: أنَّ النبيَّ الذي يحمِلُ هذه الدعوة قد بلَغَ في الحرصِ والجدِّ مبلَغًا لا يُدانِيهِ فيه أحدٌ، حتى كادَ أن يُهلِكَ نفسَه مِن الحزن حينما يرى قومه ينأَون بأنفسهم عن هذا الخير الذي يحمِلُه إليهم ﴿لَعَلَّكَ بَـٰخِعࣱ نَّفۡسَكَ أَلَّا یَكُونُواْ مُؤۡمِنِینَ﴾.
ثالثًا: تأكيد أنَّ الله قادِرٌ على أن يُنزِّل مِن الآيات ما يُجبِرُ تلك الرؤوس المعانِدة على الخضوع لها ﴿إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَیۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ ءَایَةࣰ فَظَلَّتۡ أَعۡنَـٰقُهُمۡ لَهَا خَـٰضِعِینَ﴾ لكن هذا لا يُناسب فلسفة الاختبار والابتلاء التي أقام الله عليها هذا الخلق، والتي تستلزم الحرية في اتخاذ القرار، وعدم الجبر أو الإكراه.
رابعًا: أنَّ المشركين قد أغلَقوا منافِذَ المعرفة فيهم عن كلِّ آيات الله التي تنزِلُ تِباعًا لإرشادهم وتعليمهم وتوجيههم ﴿وَمَا یَأۡتِیهِم مِّن ذِكۡرࣲ مِّنَ ٱلرَّحۡمَـٰنِ مُحۡدَثٍ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهُ مُعۡرِضِینَ﴾.
خامسًا: أنهم قد أعمَوا أبصارَهم عن دلائل الحقِّ المبثُوثة في هذا الكون، والتي تشهد كلُّها بوحدانية الخالق تبارك وتعالى ﴿أَوَلَمۡ یَرَوۡاْ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَمۡ أَنۢبَتۡنَا فِیهَا مِن كُلِّ زَوۡجࣲ كَرِیمٍ ﴿٧﴾ إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَةࣰۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِینَ﴾.
سادسًا: بيان عاقبة التكذيب والعناد لعلَّهم يتذكَّرون ويرجِعُون ﴿فَقَدۡ كَذَّبُواْ فَسَیَأۡتِیهِمۡ أَنۢبَـٰۤؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ یَسۡتَهۡزِءُونَ﴾.
سابعًا: أنَّ الله الذي هو ربُّ هذه الدعوة ومصدرها وغايتها الكبرى إنما هو العزيز الرحيم ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلرَّحِیمُ﴾، وقد تكرَّر هذا الوصف وبهذا اللفظ تسع مرَّاتٍ في هذه السورة، في إشارةٍ واضحةٍ أنَّ هذه الدعوة كلَّها وفي كلِّ مراحلها تجمع بين هاتَين الصفتَين المُتلازمتَين: العزَّة والرحمة؛ العزَّة بالحقِّ، والرحمة بالخلق، وأنَّ الداعية أيضًا الموصُول بالله، والمتخلِّق بموجِبات أسمائه تعالى هو عزيزٌ لا يُذِلُّ نفسَه لغير خالقه، كما أنه رحيمٌ يسعَى لنشر الخير والرحمة بين الناس مهما اختلف معهم أو اختلفوا معه.


﴿طسۤمۤ﴾ تقدَّم القولُ في الحروف المقطَّعة في سورة البقرة، وفيه ما يُغنِي إن شاء الله.
﴿تِلۡكَ ءَایَـٰتُ ٱلۡكِتَـٰبِ﴾ أي: هذه، وإنَّما أشارَ لها بتلك؛ تنبيهًا لرفعتها وعلوِّ شأنها، كما أشار للقرآن كلِّه بـذلك الكتاب: ﴿ذَ ٰ⁠لِكَ ٱلۡكِتَـٰبُ لَا رَیۡبَۛ فِیهِۛ هُدࣰى لِّلۡمُتَّقِینَ﴾ [البقرة: 2].
﴿ٱلۡمُبِینِ﴾ البيِّن الواضِح بنفسه، والمُبِين لطريق الحقِّ عن طرق الباطل.
﴿لَعَلَّكَ بَـٰخِعࣱ نَّفۡسَكَ أَلَّا یَكُونُواْ مُؤۡمِنِینَ﴾ مُهلِكها غمًّا وحزنًا عليهم؛ لجحودهم وعنادهم وكفرهم بالله، و(لعلَّ) تُفيدُ هنا الإشفاق؛ لأنَّها اقتَرَنَت بما يُخشى منه، فإذا اقتَرَنت بما هو مطلوبٌ ومرغوبٌ أفادَت الرجاء، وأما البَخع فأصلُه الذبح، ثم استُعِير بمعنى الهلاك، والله أعلم.
وفي الآية تسلِيةٌ لرسولِ الله ﷺ لما كان يُصِيبه مِن الهمِّ والضِّيق بسبب حِرصه على هداية قومه وإنقاذهم مما هم فيه، وهم ينأَون عنه ويُحاربونه ويحاربون رسالته، وهكذا ينبغي أن يكون الداعية وهو يحمل نورَ الله إلى عباد الله.
﴿إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَیۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ ءَایَةࣰ فَظَلَّتۡ أَعۡنَـٰقُهُمۡ لَهَا خَـٰضِعِینَ﴾ بمعنى أنَّ اللهَ قادِرٌ على أن يقهَرَهم على الإيمان قهرًا بأن يُنزِّل عليهم مُعجزة من السماء تُخوِّفهم بقُرب هلاكِهم إن لم يؤمنوا، لكن هذا يُخالف سنَّةَ الله في الاختبار والاختيار؛ إذ الإيمان الذي يستحِقُّ صاحِبُه الثواب إنَّما هو الإيمان الناتِجُ عن صِدق التوجُّه، وحُسن الاختيار، لا الإيمان الحاصل بالاضطرار والإجبار.
﴿وَمَا یَأۡتِیهِم مِّن ذِكۡرࣲ مِّنَ ٱلرَّحۡمَـٰنِ مُحۡدَثٍ﴾ أي: جديد بالنسبة لنزوله عليهم واتِّصالهم به، لا بوَصفِ القرآن نفسه، فالقرآن كلامُ الله، وكلامُه صفةٌ له سبحانه لا يتغيَّر ولا يتجدَّد.
﴿فَسَیَأۡتِیهِمۡ أَنۢبَـٰۤؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ یَسۡتَهۡزِءُونَ﴾ وعيدٌ وتهديدٌ، بمعنى أنَّ عذاب الآخرة الذي يُكذِّبون به سيأتيهم وليس مصروفًا عنهم.
﴿أَنۢبَتۡنَا فِیهَا مِن كُلِّ زَوۡجࣲ كَرِیمٍ﴾ مِن النباتات المختلفة والمتشابهة، في دورة حياتيَّة تُقرِّب للناظر صورةَ الموت والحياة الثانية للإنسان، وذلك قوله: ﴿إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَةࣰۖ ﮐ﴾ وهي دعوةٌ لأولئك المُكذِّبين بالآخرة للتأمُّل والتدبُّر قبل أن يلحَقَهم العذاب.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلرَّحِیمُ﴾ العزيز الذي له العزَّة والقوَّة والمشيئة المطلقة، والرحيم بخَلقه الرحمة الشاملة التي تسبِقُ غضَبَه، وقد تجلَّت هاتان الصفتان الإلهيتان في كون الله المنظور، وفي كتابه المسطور، تبارك ربُّنا وتعالى.