سورة السجدة تفسير مجالس النور الآية 1

الۤمۤ ﴿١﴾

تفسير مجالس النور سورة السجدة

المجلس السابع والثمانون بعد المائة: حوار في مسائل العقيدة



تُعالِجُ سورةُ السجدة في كلِّ آياتها موضوعًا واحدًا، وقضيَّةً واحدةً هي قضيةُ الإيمان، وتدخل مع المشركين في حوارٍ مُعمَّقٍ حول الأُسس الإيمانيَّة والمسائل العقديَّة التي يُنازِعون فيها، والتي تحُولُ بينهم وبين الدخول في مظلَّة الإيمان، مع أنَّهم يشتركون مع المؤمنين في أصل الإيمان بالله، فهم يُؤمِنون بوجود الله، ويُؤمِنون أنّه تعالى هو الذي خلقهم وخلق الخلق كلَّه بسماواته وأرضيه ﴿وَلَىِٕن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ لَیَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ﴾.
ولديهم أيضًا بقايا من الإبراهيمية؛ كتعظيم المسجد الحرام، ومشاعر الحج، أما تلك المسائل التي يُنازعون فيها - والتي تنقض هذه المشتركات - فقد تناولتها هذه السورة المباركة كالآتي:
أولًا: استهلَّت السورة بموضوع القرآن ورفض المشركين الإيمان به ﴿الۤمۤ ﴿١﴾ تَنزِیلُ ٱلۡكِتَـٰبِ لَا رَیۡبَ فِیهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ ﴿٢﴾ أَمۡ یَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۚ بَلۡ هُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمࣰا مَّاۤ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِیرࣲ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ یَهۡتَدُونَ﴾ وقد اكتفى القرآن هنا بتأكيد بطلان قولهم؛ لأنَّ القرآن يحمِلُ دلائل صدقه في نفسه، لكن موقفهم هذا المُسبَق هو الذي يحُول بينهم وبين هذه الدلائل.
ثانيًا: يربط القرآن بين مسألة الإيمان بالقرآن ومسألة التوحيد، وهي المسألة الأساس التي تعدُّ نقطة الافتراق بين طريق المؤمنين وطريق المشركين، وقد أخذ القرآن يُذَكِّرُهم بما هو موجودٌ في أعماق فطرتهم من اعترافٍ بوحدانيَّته تعالى في الخلق، وهذا من شأنه أن يقودهم إلى توحيده تعالى في العبادة والطاعة؛ إذ لا معنى لِأَن يؤمن الإنسان بوجود خالقٍ واحدٍ لهذا الكون ثم يذهب ليسجد ويعبد آلهة متعددة، فهذا تناقضٌ لا يقبله عقل، ولا تستسيغه فطرة.
يقول القرآن: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَیۡنَهُمَا فِی سِتَّةِ أَیَّامࣲ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ﴾ ليصل من هذه الحقيقة إلى الحقيقة الأخرى التي ينازعون فيها: ﴿مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِیࣲّ وَلَا شَفِیعٍۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾.
فالولي الذي بيده كلُّ شيء إنّما هو الخالق الذي خلق كلَّ شيء، أمّا هذه الأصنام المخلوقة بأيديكم فأنَّى لها أن تفعل لكم شيئًا أو تشفع لكم في شيء؟
ثالثًا: يُقرِّرُ القرآنُ هنا حقيقةً منطقيَّةً لا ينبغي أن يختلف فيها عاقلان، وهي أنَّ الذي خلق السماوات والأرض وما فيهما هو وحده الذي يُدبِّرُ الأمر فيهما ﴿یُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ یَعۡرُجُ إِلَیۡهِ فِی یَوۡمࣲ كَانَ مِقۡدَارُهُۥۤ أَلۡفَ سَنَةࣲ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾.
والقرآن يُشيرُ هنا إلى أن تدبير الأمر يقتضي بيان الحقِّ من الباطل، وطريق السعادة من طريق الشقاء، وهذه هي رسالةُ القرآن الذي يُنكِرُه المشركون.
رابعًا: يُذكِّرُ القرآن بصفات الله التي لا ينبغي أن تنفَصِل عن ربوبيَّته لهذا الكون، فمَن آمن بخالقٍ لهذا الكون لا بُدَّ أن يُؤمن أيضًا بصفات الكمال له ﴿ذَ ٰ⁠لِكَ عَـٰلِمُ ٱلۡغَیۡبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلۡعَزِیزُ ٱلرَّحِیمُ﴾.
والإشارة هنا أنّ خالق هذا الخلق هو الأعلم به وبما يُصلحه، ومِن ثَمَّ كانت رسالة الله هي الحقُّ، وهي الأصلح لهذا الكون؛ ولذلك عقَّبَ القرآن بما يُعزِّز هذه الصفات الجليلة، وبما يدحَض دعوى المشركين في وجود شريكٍ مع الله: ﴿ٱلَّذِیۤ أَحۡسَنَ كُلَّ شَیۡءٍ خَلَقَهُۥ ۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَـٰنِ مِن طِینࣲ ﴿٧﴾ ثُمَّ جَعَلَ نَسۡلَهُۥ مِن سُلَـٰلَةࣲ مِّن مَّاۤءࣲ مَّهِینࣲ ﴿٨﴾ ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِیهِ مِن رُّوحِهِۦۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَـٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِیلࣰا مَّا تَشۡكُرُونَ﴾.
فالذي خلق الخلق بهذا الإتقان، وخلق الإنسان على هذه الصورة وجعل له السمع والبصر والفؤاد لا يمكن أن يترك الخلق لغيره، فمِن أين استمدَّت هذه الأصنام سُلطَتَها على هؤلاء المشركين؟ ومَن الذي منحها هذه القوَّة التي يتوهَّمُها المشركون فيها، حتى إنَّهم يُقدِّمون لها النذورَ والقرابينَ تقرُّبًا إليها، وخشيةً من غضَبِها، وهي الصمَّاء البكماء التي لا تخلُقُ شيئًا، ولا تعلم شيئًا؟
خامسًا: ينتقل القرآن في حواره هذا إلى مسألةٍ مفصليَّةٍ ينازع فيها المشركون أيضًا، وهي من أعقد المسائل عندهم: ﴿وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِی ٱلۡأَرۡضِ أَءِنَّا لَفِی خَلۡقࣲ جَدِیدِۭۚ بَلۡ هُم بِلِقَاۤءِ رَبِّهِمۡ كَـٰفِرُونَ﴾.
إنّهم يستبعِدُون قدرةَ الله على بَعثهم وإعادة خلقهم بعد موتهم، مع أنهم يُؤمنون أنَّ الله هو الذي خلَقَهم أول مرَّة! وفي التفكير المنطقي البسيط أنَّ صانع الشيء أول مرَّة أقدَر على إعادة صنعه؛ ولذلك يتَّجه القرآن إلى مخاطبتهم بما من شأنه أن يُحفِّزَ فيهم الرغبةَ في التفكُّر والنظر الجادِّ، فالمسألة ليست مسألة نظريَّة فلسفيَّة مُجرَّدة، إنَّها مصيرهم، ومصير آبائهم وأبنائهم، إنَّها سعادةٌ دائمةٌ، أو شقاءٌ دائمٌ، إنَّها لا تحتمل اللعب والعبث، ولا المغامرة والمجازفة: ﴿۞ قُلۡ یَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِی وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ﴾.
وبعد هذا الرجوع المؤكَّد والمحتَّم، يعرِضُ القرآن صورةً بائسةً وذليلةً لهؤلاء المُنكِرين والمُشكِّكين ﴿وَلَوۡ تَرَىٰۤ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَاۤ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَـٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ وهي صورةٌ كفيلةٌ بالعاقل أن يُعيدَ النظر في موقفه، وأن يُفكِّر ملِيًّا في ما الذي يُمكن أن ينتَظِرُه.
سادسًا: ثم يتناول القرآن موضوع الهداية والضلال، وأنّها مسؤوليَّة المكلّف نفسه، فمَن شاء اهتدى، ومن شاء ضلَّ ﴿وَلَوۡ شِئۡنَا لَـَٔاتَیۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا﴾ ولا يكون هذا إلا برفع الاختيار الذي هو مناط التكليف والتمايُز وتحمُّل المسؤوليَّة، ثم نبَّه القرآن إلى سببٍ من أسباب الضلال ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِیتُمۡ لِقَاۤءَ یَوۡمِكُمۡ هَـٰذَاۤ﴾.
إنَّه الإهمالُ الذي يُعبِّرُ عن قلَّة الاكتِراث والانغِماس في اللَّهو والعَبَث، والذي عبَّرَ القرآن عنه فيما بعد بقوله: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔایَـٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَاۤۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِینَ مُنتَقِمُونَ﴾ ثم نبَّهَ إلى سببٍ من أسباب الهداية ﴿إِنَّمَا یُؤۡمِنُ بِـَٔایَـٰتِنَا ٱلَّذِینَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّدࣰا وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا یَسۡتَكۡبِرُونَ ۩﴾.
فهناك شعورٌ بخُطورة الأمر، وهناك عملٌ ومثابرةٌ، وهناك قلوبٌ صافيةٌ، ونفوسٌ متواضعةٌ لا يحُول الاستكبار بينها وبين طريق الخير.
سابعًا: ثم يعرِضُ القرآن نتيجةَ الفريقَين ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنࣰا كَمَن كَانَ فَاسِقࣰاۚ لَّا یَسۡتَوُۥنَ ﴿١٨﴾ أَمَّا ٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّـٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ یَعۡمَلُونَ ﴿١٩﴾ وَأَمَّا ٱلَّذِینَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ كُلَّمَاۤ أَرَادُوۤاْ أَن یَخۡرُجُواْ مِنۡهَاۤ أُعِیدُواْ فِیهَا وَقِیلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِی كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ﴾.
ثامنًا: يذكُرُ القرآن هنا سنَّةً مِن سُننِ الله في تذكير القلوب الغافلة والنفوس اللاهِية ﴿وَلَنُذِیقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ یَرۡجِعُونَ﴾، فالابتلاء بالمصائب والمِحَن يُشعِرُ الإنسان بضعفه، فيرفع عنه غشاوة الغرور والاستكبار، فإذا ارتفعت هذه الغشاوة كان أقربَ للرجوع إلى نفسه والتفكير في حاله ومآله، أمَّا الذي لا ترتفع غشاوته حتى في حالة الضعف والابتلاء فذلك هو الظالم لنفسه ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔایَـٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَاۤۚ﴾.
تاسعًا: ثم يُذكِّرُ القرآن هنا بقصَّة موسى عليه السلام، في إشارةٍ إلى البُعد التاريخي لهذه الدعوة: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَـٰبَ فَلَا تَكُن فِی مِرۡیَةࣲ مِّن لِّقَاۤىِٕهِۦۖ وَجَعَلۡنَـٰهُ هُدࣰى لِّبَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ ﴿٢٣﴾ وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَىِٕمَّةࣰ یَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔایَـٰتِنَا یُوقِنُونَ﴾.
وفي السياق التاريخي أيضًا، يدعو القرآن إلى الاعتبار بحال الأمم السابقة وما حلَّ بها نتيجةً لاستكبارها وإعراضها عن دعوة أنبيائها ﴿أَوَلَمۡ یَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ یَمۡشُونَ فِی مَسَـٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَـٰتٍۚ أَفَلَا یَسۡمَعُونَ﴾.
عاشرًا: ثم يعود بهم القرآن من النظر في التاريخ إلى النظر في الأرض وما فيها من آياتٍ ودلائل تُقرِّبُ صورةَ الحياة الآخرة، وكيفيَّة البعث والنشور ﴿أَوَلَمۡ یَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَاۤءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعࣰا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَـٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا یُبۡصِرُونَ﴾.
حادي عشر: يطرَحُ القرآن تساؤل المشركين عن موعد الآخرة، وهو تساؤلٌ لا ينمُّ إلَّا عن استخفافٍ بالأمر واستهزاء مريضٍ وعابثٍ؛ ولذلك كان الجواب يَحمِلُ لهم الوعيد والتهديد، وهو المناسب لطريقتهم هذه ﴿وَیَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ ﴿٢٨﴾ قُلۡ یَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا یَنفَعُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤاْ إِیمَـٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ یُنظَرُونَ﴾.
ثاني عشر: تختتم السورة بتوجيهٍ ربَّانيٍّ للنبيِّ الكريم ﷺ - ثم لكلِّ الدعاة من بعده - ألَّا ينشغل بهؤلاء المُعاندين والمستهزئين؛ لأن الانشغال بهم يضرُّ بالدعوة ويحُول بينها وبين العالمين ﴿فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ﴾.


﴿تَنزِیلُ ٱلۡكِتَـٰبِ لَا رَیۡبَ فِیهِ﴾ لأنّه يحمل دلائل صدقِه في ذاته.
﴿لِتُنذِرَ قَوۡمࣰا مَّاۤ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِیرࣲ مِّن قَبۡلِكَ﴾ هم قومُه ﷺ الذين كانوا في جاهلية فليس عندهم كتاب، ولم يبعث الله إليهم نبيًّا.
وفي الآية دليلٌ على أنَّ مَن مات منهم قبل البعثة فالأصل فيه براءة الذمَّة؛ لأنَّه غير مُكلَّف ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِینَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولࣰا﴾ [الإسراء: 15].
وهنا أيضًا ملحوظة؛ فإنذار الرسول ﷺ لقومه لا يعني أنَّ رسالته خاصة بهم، فهذا منقوضٌ بمثل قوله تعالى: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء: 107].
﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَیۡنَهُمَا فِی سِتَّةِ أَیَّامࣲ﴾ هي ليست من أيامنا؛ لأنَّ يومَنا هو حصيلةُ دَوَرَان الأرض حول نفسها أمام الشمس، ولكلِّ كوكبٍ يومه، فكيف باليوم الذي كان قبل خلق السماوات والأرض؟ فذلك لا يعلَمُه إلا الله، والمقصودُ بالإخبار عن تلك الأيام إنَّما هو التقديرُ على مراحل، كما هي سُنَّةُ الخلق كلِّه.
﴿ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ﴾ استواءً يليقُ بعظمةِ الله وجلالِه وعلوِّه وغِناه عن جميع خلقه؛ العرش وما سِوَى العرش، وهذه من الأخبار الغيبيَّة التي نؤمن بها كما وردت، ونُحجم عن الدخول في كيفيَّاتها وصورتها؛ لأنَّ العقل لا يملك الأدوات القادرة على ذلك، ثم نتدبَّر المقصود مِن إخبارنا بها، وهو مقصودٌ يسيرٌ على مَن يسَّرهُ الله عليه؛ فالنصُّ يوحي بكمال المُلك والسلطان والعظمة والعلو المُطلق، وهذا يكفي ويُريح عقولنا وقلوبنا من الجدل الذي لا نتيجة له.
﴿یُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: هو سبحانه الذي يُدبِّرُ أمرَ السماوات والأرض، وهو الذي يُنزِّلُ وحيَه وأمرَه على أنبيائه من السماء إلى الأرض.
﴿ثُمَّ یَعۡرُجُ إِلَیۡهِ﴾ عمل الناس وأخبارهم وأحوالهم بما تُدوِّنه الملائكة، وهذه سنَّةٌ من سُننِ الله في تدبير الملك، أما علمُه سبحانه فهو عِلمٌ شاملٌ ومحيطٌ بكلِّ شيءٍ، ولا يحتاج إلى أداة أو واسطة.
﴿فِی یَوۡمࣲ كَانَ مِقۡدَارُهُۥۤ أَلۡفَ سَنَةࣲ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ دليلٌ مُضافٌ على ما تقدَّمَ أنَّ اليومَ وِحدةٌ زمنيَّةٌ نسبيَّةٌ، فيوم الأرض غير يوم المريخ أو زحل، وأيام الله في هذا الكون الفَسِيح لا حصرَ لها، والله أعلم.
﴿ٱلَّذِیۤ أَحۡسَنَ كُلَّ شَیۡءٍ خَلَقَهُۥ ۖ﴾ أتقَنَه وأحكَمَه.
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسۡلَهُۥ مِن سُلَـٰلَةࣲ مِّن مَّاۤءࣲ مَّهِینࣲ﴾ تنبيهٌ إلى عظيم قُدرة الله؛ حيث خلق هذا الإنسان المُتكامِل الخلق، والحَسَن الصورة والقَوَام من ماءٍ مهينٍ يُستقذَرُ منه، وهو ماءُ الرجل.
﴿ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِیهِ مِن رُّوحِهِۦۖ﴾ نفَخَ فيه الروحَ التي خلقها الله له، وإضافةُ الروح إلى الله إضافةَ ملكٍ واختصاصٍ لا إضافة أبعاضٍ وصفاتٍ، كما نقول: سماءُ الله، وأرضُ الله، وبيتُ الله، وخَلْقُ الله.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَـٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ﴾ تنبيهٌ إلى أدوات المعرفة التي هي شرط التكليف وتحمُّل المسؤوليَّة، وقوله عقِبَها: ﴿قَلِیلࣰا مَّا تَشۡكُرُونَ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ من يُعطِّل هذه الأدوات لا يهتدي إلى الحقِّ، ولا يَقدِر على الشكر.
﴿وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِی ٱلۡأَرۡضِ أَءِنَّا لَفِی خَلۡقࣲ جَدِیدِۭۚ﴾ يسألُ المشركون سؤالَ المُستهزِئِ المُستكبِرِ عن كيفيَّة عودتهم بعد أن يُدفنوا في الأرض، ويضِيعوا في تُرابها.
﴿۞ قُلۡ یَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِی وُكِّلَ بِكُمۡ﴾ أي: وُكِّلَ بقبض أرواحكم، وفيه دليلٌ أنَّ الملائكة لهم وظائف مختلفة تتعلَّق بالخلق وإدارته وفق سُنن الله والنظام الذي اختارَه لهذا الكون.
﴿وَلَوۡ تَرَىٰۤ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ﴾ خَجَلًا وندامةً.
﴿أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا﴾ أي: نحن الآن نسمَعُ ونُبصِر لا كما كنَّا في الدنيا.
﴿وَلَـٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّی لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِینَ﴾ ذلك قوله تعالى الذي توعَّدَ به إبليسُ وجُنده: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِیَنَّهُمۡ أَجۡمَعِینَ ﴿٨٢﴾ إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِینَ ﴿٨٣﴾ قَالَ فَٱلۡحَقُّ وَٱلۡحَقَّ أَقُولُ ﴿٨٤﴾ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ أَجۡمَعِینَ﴾ [ص: 82- 85].
﴿وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ﴾ الباء للمصاحبة، بمعنى أنَّهم يُسبِّحون الله ويحمدونه معًا.
﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ﴾ أي: ينهَضُون من نومهم لأداء الصلاة والعبادة والدعاء.
﴿فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسࣱ مَّاۤ أُخۡفِیَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡیُنࣲ﴾ أي: لا يعلم أحدٌ من الخلق حقيقة النعيم الذي أعدَّه الله لهؤلاء المؤمنين، وهذا أسلوبٌ معروفٌ في تعظيم الأمر والمبالغة فيه، وذلك فضلُ الله وكرمُه الذي ليس له حدٌّ.
﴿أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنࣰا كَمَن كَانَ فَاسِقࣰاۚ لَّا یَسۡتَوُۥنَ﴾ تأكيدٌ لمبدأ العدل الإلهي؛ فكلُّ إنسانٍ مجزِيٌّ بعمله، والعمل معيارُ التفاضل، أمّا الأشياء المكتوبة قدرًا على الإنسان كجنسه ونسبه ولون بشرته، فهذه لا اعتبار لها في ميزان الله.
﴿جَنَّـٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ﴾ التي يأوي إليها المؤمنون، وفيه معنى السكينة والاستقرار.
﴿نُزُلَۢا﴾ أي: إكرامًا لهم، وأصل النُّزُل ما يُقدَّم للضيف.
﴿كُلَّمَاۤ أَرَادُوۤاْ أَن یَخۡرُجُواْ مِنۡهَاۤ أُعِیدُواْ فِیهَا﴾ أي: كلَّما طلبوا الخروج منها تجدَّدَ الأمر بمُكُوثهم فيها، فلا يخرجون منها أبدًا.
﴿وَلَنُذِیقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ﴾ أي: من مصائب الدنيا؛ كالفقر، والمرض، والقتل، والمِحَن.
﴿دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ﴾ قبل عذاب الآخرة.
﴿لَعَلَّهُمۡ یَرۡجِعُونَ﴾ يتَّعِظُون فيستغفِرُون ويتوبُون.
﴿وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَـٰبَ فَلَا تَكُن فِی مِرۡیَةࣲ مِّن لِّقَاۤىِٕهِۦۖ﴾ الظاهر من السياق أنّه لقاء الآخرة، وفائدةُ تأكيد لقاء نبيِّنا محمدٍ بأخيه موسى عليهما السلام في ذلك اليوم - مع ما فيه من تأكيد الحياة الأخرى - أنَّ موسى صاحب رسالة، وقد دعا قومه كسائر الأنبياء والرسل إلى توحيد الله والإيمان باليوم الآخر، فانقسم الناس على فريقَين كما انقسم الناس في رسالة محمدٍ ﷺ.
وقد تقدَّم أنَّ الكافرين المُكذِّبين سيَرَون هناك الحقيقة التي كذَّبُوا بها وسيندمون، فناسَبَ أن يُؤكِّد القرآنُ لمحمدٍ ﷺ ولأُمَّته من بعده أنّهم سيلتَقون بمن سبَقَهم من الأنبياء والمرسلين وأتباعهم وأحبابهم، وسيكون ذلك اللقاء مُتمِّمًا لسعادتهم، فما قرَأناه في آيات القرآن من أخبارٍ وقصصٍ عن أولئك الصفوة الأخيار سنراه عيانًا، وفي ذلك أيضًا مزيد حسرةٍ للكافرين والمُكذِّبين، ثم إنَّ رسالة موسى بالتحديد هي الأقرب إلى رسالة محمدٍ عليهما السلام؛ ولذلك كان الاستشهادُ بها أكثر، ووُرُودها في القرآن أطول، والله أعلم.
وأما قوله: ﴿فَلَا تَكُن فِی مِرۡیَةࣲ﴾ فهو بمعنى أنّه أمرٌ يقين، وليس معناه نهي النبيِّ ﷺ عن الشكِّ، إلا إذا حُمِلَ على أنّ النهي مُوجَّهٌ إلى غيره، كما في قوله تعالى: ﴿لَىِٕنۡ أَشۡرَكۡتَ لَیَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65]، والله أعلم.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ یَفۡصِلُ بَیۡنَهُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ فِیمَا كَانُواْ فِیهِ یَخۡتَلِفُونَ﴾ أي: بين الفريقَين على امتداد التاريخ؛ ففي كلِّ حلقةٍ من حلقات الدعوة هنالك مُصدِّقٌ، وهنالك مُكذِّبٌ، وهنالك صالحٌ، وهنالك طالحٌ، فغدًا سيتمايز الناس على فريقَين: فريق الأنبياء ومن صدَّق بهم واتبع هديَهم، وفريق المحرومين الأشقياء مِن المكذِّبين والمعانِدين.
﴿ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ﴾ الأرض القاحِلة الميتة التي ليس فيها نبات.
﴿وَیَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلۡفَتۡحُ﴾ أي: متى يوم اللقاء هذا والحساب والجزاء والفصل بين الخلائق؟
وهو سؤالٌ يُورِدُه المكذِّبون على سبيل السُّخرية والاستهزاء، ويبعُد في السياق أن يكون الفتح بمعنى النصر في بدرٍ أو غيرها؛ إذ السياق عن البعث والحساب، ثم إنَّ قوله تعالى في تتمَّة الآية: ﴿قُلۡ یَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا یَنفَعُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤاْ إِیمَـٰنُهُمۡ﴾ دليلٌ واضحٌ على أنَّه يوم القيامة، والله أعلم.
﴿فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ﴾ أي: مُنتظِرون لعذابهم؛ لأنَّه واقعٌ بهم لا محالة وإن كانوا غافلين عنه، كما تقول للماشِي في طريق الهلاك أنّه ينتظر هلاكَه، وإن كان هو لا يترقَّبه ولا يتشوَّف له.