سورة فاطر تفسير مجالس النور الآية 2

مَّا یَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةࣲ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ وَمَا یُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ ﴿٢﴾

تفسير مجالس النور سورة فاطر

المجلس الرابع والتسعون بعد المائة: طريق الإيمان


من الآية (1- 17)


تستهِلُّ سورة فاطر بالتذكير بمعاني الإيمان الكليَّة، وما ينبَنِي عليها من كلِمٍ طيبٍ، وعملٍ صالحٍ، وحياةٍ كريمةٍ عزيزةٍ، بخلاف أولئك الذين اتَّبَعوا سبيلَ الشيطان فزيَّن لهم أعمالهم، وأضلَّهم وأعمَى أبصارَهم، والقرآن يعرض كلّ هذا ويدعمه بكلِّ ما من شأنه أن يأخذ بقلوب الصادقين مع الله، والصادقين مع أنفسهم إلى طريق النجاة والفوز في الدنيا والآخرة، وأمَّا المكابرون والمعاندون فقد قامَت عليهم الحجة:
أولًا: تأكيد أنّ الله وحده هو خالقُ السماوات والأرض وموجِدهما من العدم على غير مثالٍ سابقٍ، وخالقُ كلّ مَن فيهما وما فيهما بلا شريكٍ ولا مُنازع ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ رُسُلًا أُوْلِیۤ أَجۡنِحَةࣲ مَّثۡنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَۚ یَزِیدُ فِی ٱلۡخَلۡقِ مَا یَشَاۤءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ﴾.
وإذا كان الله هو وحده الخالق، فهو إذن وحده الرازق الذي يُقدِّر الرزق، ويُقدِّر أسبابه ﴿یَــٰۤـأَیُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡۚ هَلۡ مِنۡ خَـٰلِقٍ غَیۡرُ ٱللَّهِ یَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ﴾، ﴿وَٱللَّهُ ٱلَّذِیۤ أَرۡسَلَ ٱلرِّیَـٰحَ فَتُثِیرُ سَحَابࣰا فَسُقۡنَـٰهُ إِلَىٰ بَلَدࣲ مَّیِّتࣲ فَأَحۡیَیۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ ٱلنُّشُورُ﴾.
ثانيًا: تأكيد أنّ الله وحده هو خالق هذا الإنسان، وهو الذي أمدَّه بأسباب الحياة، وسخَّر له البرَّ والبحر ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابࣲ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةࣲ ثُمَّ جَعَلَكُمۡ أَزۡوَ ٰ⁠جࣰاۚ وَمَا تَحۡمِلُ مِنۡ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلۡمِهِۦۚ وَمَا یُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرࣲ وَلَا یُنقَصُ مِنۡ عُمُرِهِۦۤ إِلَّا فِی كِتَـٰبٍۚ إِنَّ ذَ ٰ⁠لِكَ عَلَى ٱللَّهِ یَسِیرࣱ ﴿١١﴾ وَمَا یَسۡتَوِی ٱلۡبَحۡرَانِ هَـٰذَا عَذۡبࣱ فُرَاتࣱ سَاۤىِٕغࣱ شَرَابُهُۥ وَهَـٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجࣱۖ وَمِن كُلࣲّ تَأۡكُلُونَ لَحۡمࣰا طَرِیࣰّا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ حِلۡیَةࣰ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِیهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ﴿١٢﴾ یُولِجُ ٱلَّیۡلَ فِی ٱلنَّهَارِ وَیُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِی ٱلَّیۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلࣱّ یَجۡرِی لِأَجَلࣲ مُّسَمࣰّىۚ ذَ ٰ⁠لِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِینَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا یَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِیرٍ﴾.
ومِن ثَمَّ فهذا الإنسان مُفتقرٌ إلى الله في أصل وجوده، وفي أسباب حياته، ووسائل عيشه ﴿۞ یَــٰۤـأَیُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَاۤءُ إِلَى ٱلـلَّــهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِیُّ ٱلۡحَمِیدُ ﴿١٥﴾ إِن یَشَأۡ یُذۡهِبۡكُمۡ وَیَأۡتِ بِخَلۡقࣲ جَدِیدࣲ ﴿١٦﴾ وَمَا ذَ ٰ⁠لِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِیزࣲ﴾.
ثالثًا: بيان بطلان دعوى المشركين فيما ينسبونه إلى الله من شِرْكٍ ﴿هَلۡ مِنۡ خَـٰلِقٍ غَیۡرُ ٱللَّهِ یَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ﴾، ﴿ذَ ٰ⁠لِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِینَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا یَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِیرٍ ﴿١٣﴾ إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا یَسۡمَعُواْ دُعَاۤءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَیَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ یَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا یُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِیرࣲ﴾.
رابعًا: بيان أنّ الذين يُصِرُّون على شِركهم إنّما يتَّبِعون سبيلَ الشيطان الذي يُغرِّر بهم، ويزيِّن لهم الباطل، ويدفعهم إلى غضب الله وعذابه الشديد ﴿یَــٰۤـأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقࣱّۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَا وَلَا یَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ﴿٥﴾ إِنَّ ٱلشَّیۡطَـٰنَ لَكُمۡ عَدُوࣱّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا یَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِیَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَـٰبِ ٱلسَّعِیرِ ﴿٦﴾ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ لَهُمۡ عَذَابࣱ شَدِیدࣱۖ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةࣱ وَأَجۡرࣱ كَبِیرٌ ﴿٧﴾ أَفَمَن زُیِّنَ لَهُۥ سُوۤءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنࣰاۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ یُضِلُّ مَن یَشَاۤءُ وَیَهۡدِی مَن یَشَاۤءُۖ فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَیۡهِمۡ حَسَرَ ٰ⁠تٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمُۢ بِمَا یَصۡنَعُونَ﴾.
خامسًا: وإذا كانت تلك نهاية طريق الباطل، فإنّ نهاية طريق الإيمان سعادة في الدنيا، وسعادة في الآخرة ﴿وَٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةࣱ وَأَجۡرࣱ كَبِیرٌ﴾، ﴿مَن كَانَ یُرِیدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِیعًاۚ إِلَیۡهِ یَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّیِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ یَرۡفَعُهُۥۚ﴾.
سادسًا: وقد جاء في ثنايا هذه الآيات بيانٌ لخُلُق النبيِّ الكريم وسعة رحمته حتى بالمخالفين والمعاندين ﴿فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَیۡهِمۡ حَسَرَ ٰ⁠تٍۚ﴾.


﴿فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ خالقهما ومبدعهما على غير مثالٍ سابقٍ.
﴿جَاعِلِ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ رُسُلًا﴾ لتبليغ وحيه إلى أنبيائه.
﴿أُوْلِیۤ أَجۡنِحَةࣲ مَّثۡنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَۚ یَزِیدُ فِی ٱلۡخَلۡقِ مَا یَشَاۤءُۚ﴾ وصفٌ لخلق الملائكة، والمقصود به إظهار عظمة الخالق، وأنّ الله أعلم بملائكته، وفيه ردٌّ على تخرُّصات المشركين وقولهم في الملائكة بغير علم.
﴿مَّا یَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةࣲ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ﴾ أي: ما يعطي الله مِن النِّعم فلا مانع له.
﴿وَمَا یُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ﴾ أي: ما يمنعُهُ الله ويحرمهُ فلا مُعطي له.
﴿فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ﴾ فكيف تُصرَفون عن هذا الحقِّ.
﴿وَإِن یُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلࣱ مِّن قَبۡلِكَۚ﴾ فيه تسليةٌ لرسول الله بعد تكذيب قومه له.
﴿وَلَا یَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ﴾ أي: لا يغرنَّكم الشيطان بالله، فيُزيِّن لكم الشرك والمعصية.
﴿إِنَّ ٱلشَّیۡطَـٰنَ لَكُمۡ عَدُوࣱّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ﴾ أي: فاحذَرُوه كما يحذَر العدوُّ من عدوِّه.
﴿إِنَّمَا یَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ﴾ أتباعه وأنصاره.
﴿أَفَمَن زُیِّنَ لَهُۥ سُوۤءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنࣰاۖ﴾ هذه من أخطر أسباب الغواية، وتثبيت أهل الباطل على باطلهم؛ إذ يرَونَه الحقَّ الذي لا ينبغي الرجوع عنه.
﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ یُضِلُّ مَن یَشَاۤءُ وَیَهۡدِی مَن یَشَاۤءُۖ﴾ أي: يضل من يستحق الضلالة، ويهدي من يستحق الهداية، فمَن طلب الضلالة وأخذ بأسبابها ضلَّ، ومن طلب الهداية وأخذ بأسبابها هُدِيَ، ولا يظلمُ ربُّك أحدًا.
﴿فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَیۡهِمۡ حَسَرَ ٰ⁠تٍۚ﴾ أي: لا تهلك نفسك بالتحسُّر والحزن عليهم.
﴿وَٱللَّهُ ٱلَّذِیۤ أَرۡسَلَ ٱلرِّیَـٰحَ فَتُثِیرُ سَحَابࣰا﴾ لأنَّ الرياح هي التي تحمل السحاب وتتحرك به إلى حيث يشاء الله.
﴿فَأَحۡیَیۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ﴾ أي: أحيا بماء السحاب الأرضَ فجعلها مخضرَّة بعد أن كانت يابِسَة.
﴿كَذَ ٰ⁠لِكَ ٱلنُّشُورُ﴾ مثل هذا الذي ترونه من إعادة الحياة إلى الأرض سيكون بعثكم وإعادة الحياة لكم.
﴿مَن كَانَ یُرِیدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِیعًاۚ﴾ بمعنى أنَّ مَن كان يطلب العزة في مناهج الكفر والضلال فهو واهِم؛ لأن العزَّة لله وحده، وفيه بيانٌ لسببٍ من أسباب الضلال؛ حيث ينبهر الناس بالباطل في حال نشوته فيلهثون وراءه طلبًا للشهرة والمجد، والمتاع الزائل.
﴿إِلَیۡهِ یَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّیِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ یَرۡفَعُهُۥۚ﴾ بمعنى أنّ سبب العزَّة والرفعة عند الله إنّما هو الكلم الطيب والعمل الصالح، وليس بهذا البهرَج والخُيَلاء الباطل الذي يتمسَّك به المشركون؛ ولذلك عقَّب بقوله: ﴿وَٱلَّذِینَ یَمۡكُرُونَ ٱلسَّیِّـَٔاتِ لَهُمۡ عَذَابࣱ شَدِیدࣱۖ وَمَكۡرُ أُوْلَــٰۤىِٕكَ هُوَ یَبُورُ﴾.
فيتحصَّل أنّ عمل الناس على صنفَين: مقبولٌ مرفوعٌ عند الله، وهو الكلم الطيب والعمل الصالح، ومرفوضٌ مردودٌ على أصحابه بالخيبة والهلاك، وهو العمل السيئ.
وقد فرَّق بين الكلم الطيب والعمل الصالح؛ لأنَّ العمل تابعٌ للقول؛ إذ إنَّ الكلِم هنا إنَّما هو النطقُ بالشهادتَين، فهو الذي يصعَدُ أولًا ثم يتبعه العمل، وقد جاء بالصعود للكلِم الطيب، وبالرفع للعمل الصالح؛ لتنوع الأساليب مع أنَّ المعنى واحد.
وفيه إشارةٌ أنَّ صعود الإيمان أسبق وأسرع؛ إذ جعل الإيمان يَصعَدُ بنفسه، والعمل الصالح كأنَّه بحاجةٍ إلى من يرفعه، والله أعلم.
﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابࣲ﴾ خلق أباكم آدم من ترابٍ، ثم أنبَتَ أجسادَكم من هذا التراب الذي فيه مصدر غذائكم بعد أن صوَّركم ﴿مِن نُّطۡفَةࣲ﴾.
﴿وَمَا یُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرࣲ﴾ أي: يطول به العمر.
﴿هَـٰذَا عَذۡبࣱ فُرَاتࣱ﴾ الفُرات: العَذْب، وأفاد هنا التأكيد، بمعنى أنَّه شديد العذوبة.
﴿وَهَـٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجࣱۖ﴾ والأُجَاج: المالح، وأفاد هنا التأكيد، بمعنى أنَّه شديد الملوحة.
﴿وَمِن كُلࣲّ تَأۡكُلُونَ لَحۡمࣰا طَرِیࣰّا﴾ أي: من الماء العذب ومن الماء المالح تأكلون اللحم الطري، وهو السمك.
﴿وَتَسۡتَخۡرِجُونَ حِلۡیَةࣰ تَلۡبَسُونَهَاۖ﴾ كاللؤلؤ والمرجان، وفيه إشارةٌ إلى قيمة التزيُّن والتجمُّل؛ إذ سِيقَت مساق الامتنان والتفضُّل.
﴿وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِیهِ مَوَاخِرَ﴾ أي: تمخُرُ الماء ذهابًا وإيابًا.
﴿یُولِجُ ٱلَّیۡلَ فِی ٱلنَّهَارِ وَیُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِی ٱلَّیۡلِ﴾ يدخُلُ الليل على النهار بانسِحاب ضوء الشمس حتى يختلط فيه بعض الوقت، ثم يدخل النهار على الليل بشُرُوقها فيختلط فيه أيضًا بعض الوقت، في حركةٍ متواصلةٍ ومستمرةٍ لتؤدِّي وظيفة لا يُتصوَّر استمرار الحياة بدونها، والإنسان يُشاهِدُ هذا كلَّ يومٍ، ويحسب به أيامه وأسابيعه وشهوره وسنِيَّه وعقوده وقرونه، ألا يدعوه هذا ليتفكَّر ما سرُّ هذه الدورة الفلكيَّة اليوميَّة؟ وما مُناسبتها لحياة الإنسان، ومَن الذي سخَّرَها بهذا النظام الدقيق؟
﴿وَٱلَّذِینَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا یَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِیرٍ﴾ والقِطمِير: القشرة الرقيقة الملتفة على نواة التمر، والمقصود أنَّ هذه الأصنام التي يعبدونها من دون الله لا تملِك من هذا الخلق شيئًا ولو كان بمقدار قِشر النواة.
﴿إِن تَدۡعُوهُمۡ﴾ أي: الأصنام.
﴿لَا یَسۡمَعُواْ دُعَاۤءَكُمۡ﴾ لأنَّها جمادات لا تسمع ولا تعقِل.
﴿وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ﴾ لأنّهم عاجِزُون عن الحركة والنجدة، وفائدةُ الافتراض هذا إثبات صفة العجز، ولأنَّ المُشرِك قد ينسب لها السمع؛ ولذلك يُخاطِبُها ويسألُها! فكان الردُّ أنّه حتى لو كانت تَسمَعُك كما تدَّعِي، فإنَّها لن تستجيب لك بشيء.